بغداد/ تمني السروي

في الوقت الذي يفترض أن يكون فيه الطلاق أحد الحلول القانونية لإنهاء العلاقات الزوجية المتعثرة، تجد كثير من النساء أنفسهن أمام رحلة شاقة من التحديات القانونية والاجتماعية والنفسية بمجرد التفكير في اتخاذ هذا القرار. فطلب الطلاق لا يعني فقط إنهاء علاقة زوجية، بل يفتح أبواباً واسعة من الأسئلة والمخاوف المرتبطة بالأطفال والحضانة والسكن والحقوق المالية ومستقبل الأسرة بأكملها.

ومع تصاعد النقاشات حول حقوق المرأة والطفل في العراق، تتزايد الأصوات المطالبة بمراجعة الإجراءات القانونية وتوفير ضمانات أكبر لحماية النساء والأطفال من آثار النزاعات الأسرية، وسط تأكيدات بأن القضية لا تخص المرأة وحدها، بل تمس استقرار المجتمع بأسره.

قرار مصيري تحيط به المخاوف

تقول الحقوقية الدكتورة أزهار الدليمي في حديثها لـ"روج نيوز"، إن أي امرأة تفكر بطلب الطلاق تواجه سلسلة متشابكة من التحديات والمعارك القانونية والاجتماعية والعائلية والنفسية، موضحةً أن المرأة تعيش غالباً صراعاً داخلياً بين الاستمرار في حياة قد تكون مؤذية أو غير مستقرة، وبين اتخاذ قرار مصيري قد يغير حياتها وحياة أطفالها بالكامل.

وتشير إلى أن التحديات القانونية أصبحت في الآونة الأخيرة من أبرز العقبات التي تواجه النساء، إذ تشعر الكثيرات بأن بعض الإجراءات تجعل إثبات الضرر أمراً معقداً وصعباً، الأمر الذي يدفع بعض النساء إلى البقاء في علاقات مؤذية خشية فقدان الحقوق أو العجز عن إثبات ما يتعرضن له من عنف أو إهمال.

إثبات الضرر… عبء تتحمله المرأة وحدها

وتوضح الدليمي أن المرأة التي تطلب التفريق القضائي بسبب العنف أو عدم الإنفاق أو الهجر، تجد نفسها مطالبة بإثبات هذه الأسباب أمام المحكمة، رغم أن معظم الانتهاكات التي تتعرض لها تحدث داخل المنزل بعيداً عن أعين الشهود.

وتضيف أن هذا الواقع يضع المرأة أمام أعباء قانونية ونفسية واجتماعية كبيرة، إذ يتطلب منها خوض معركة لإثبات ما عاشته من معاناة، في وقت تكون فيه بأمس الحاجة إلى الحماية والدعم.

وترى أن الطلاق، كما الزواج، قرار مصيري يحتاج إلى دراسة وتفكير ومعرفة كاملة بالنتائج والتبعات، لأن آثاره لا تتوقف عند إنهاء العلاقة الزوجية، بل تمتد إلى مستقبل الأطفال والسكن والمعيشة والاستقرار النفسي والاجتماعي للأسرة بأكملها.

الجهل بالحقوق يزيد من معاناة النساء

وتلفت الدليمي إلى أن إحدى المشكلات الأساسية تكمن في عدم معرفة عدد كبير من النساء بحقوقهن القانونية بعد الطلاق، مبينة أن بعض النساء يعتقدن أن حق الطفل يقتصر على النفقة فقط، في حين أن هناك حقوقاً أخرى كفلها القانون، تشمل نفقة الأطفال والحقوق المالية المترتبة على العلاقة الزوجية والمؤخر وغيرها من المستحقات القانونية.

وتؤكد أن نقص الوعي القانوني يجعل كثيراً من النساء أكثر عرضة للتنازل عن حقوقهن أو القبول بتسويات لا تحقق العدالة لهن ولأطفالهن.

الحضانة والسكن… مخاوف مستمرة للأمهات

وبحسب الدليمي، فإن المخاوف لا تتوقف عند إجراءات الطلاق فحسب، بل تمتد إلى قضايا الحضانة والسكن والاستقرار المعيشي، حيث تشعر العديد من الأمهات بأن الإجراءات الحالية لا توفر الحماية الكافية لهن ولأطفالهن.

وتوضح أن المرأة الحاضنة لا تحتاج إلى قرار قضائي فقط، بل إلى بيئة مستقرة تمكنها من تربية أطفالها بعيداً عن الضغوط المستمرة والصراعات القانونية والعائلية التي قد تنعكس سلباً على حياة الأبناء ومستقبلهم.

الأطفال… الضحايا الصامتون للنزاعات الأسرية

وتشدد الدليمي على أن آثار الخلافات الأسرية والعنف المستمر لا تقتصر على المرأة وحدها، بل تمتد إلى الأطفال الذين غالباً ما يكونون الأكثر تضرراً من النزاعات بين الوالدين.

وتبين أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها التوتر والخوف والمشكلات المستمرة يفقد شعوره بالأمان والاستقرار، وهو ما ينعكس على ثقته بنفسه وتكوينه النفسي والاجتماعي.

كما تشير إلى أن العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية أثبتت أن الاضطرابات التي يعيشها الطفل في مراحل عمره المبكرة قد تترك آثاراً طويلة الأمد على شخصيته وسلوكه ومستقبله.

وتضيف أن من أكثر الجوانب إيلاماً شعور بعض الأطفال بأنهم ضحايا لصراع لا ذنب لهم فيه، خصوصاً عندما يفصلون عن أحد الوالدين بصورة قسرية أو يصبحون طرفاً في حالة التجاذب المستمر بين الأب والأم.

النظرة المجتمعية… عبء إضافي على المرأة

ورغم التطورات التي شهدها المجتمع العراقي خلال السنوات الماضية، ما تزال المرأة المطلقة تواجه نظرة اجتماعية قاسية في كثير من الأحيان، إذ تحمل وحدها مسؤولية فشل الحياة الزوجية، بينما يتم تجاهل الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الانفصال.

وترى الدليمي أن هذه النظرة تضيف أعباء نفسية واجتماعية جديدة على النساء، وتدفع بعضهن إلى التردد في اتخاذ قرارات قد تكون ضرورية لحماية أنفسهن وأطفالهن من الاستمرار في علاقات غير مستقرة أو مؤذية.

قضية مجتمع وليست قضية نساء فقط

وتؤكد الدليمي أن الحديث عن حقوق المرأة في قضايا الطلاق والحضانة لا ينبغي أن يُختزل في كونه قضية تخص النساء فقط، بل هو ملف يرتبط مباشرة بمستقبل الأسرة والمجتمع.

وتقول، "نحن كقانونيين وناشطين مدنيين وأمهات متضررات لا نتحدث عن قضية تخص المرأة وحدها، بل عن قضية تمس الأسرة والمجتمع بأكمله. فكل انتهاك لحق المرأة هو انتهاك لحق الطفل، وكل انتهاك لحق الطفل هو انتهاك لاستقرار الأسرة ومستقبل المجتمع".

وتضيف أنه من غير المنطقي أن تتحمل الأم مسؤولية التربية والرعاية لسنوات طويلة، وتتابع تفاصيل حياة أبنائها اليومية من دراسة وعلاج واحتياجات مختلفة، ثم تواجه قيوداً في القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل أطفالها.

مصلحة الطفل أولاً

وتشدد الحقوقية على ضرورة أن تكون مصلحة الطفل هي الأساس الذي تنطلق منه جميع التشريعات والإجراءات القانونية المتعلقة بالنزاعات الأسرية، لأن الطفل ليس طرفاً في الخلافات بين الأب والأم، بل هو المتضرر الأكبر منها.

وتوضح أن إجبار الطفل على الابتعاد عن الشخص الذي يشعر معه بالأمان والاستقرار قد يترك آثاراً نفسية عميقة تستمر لسنوات طويلة، كما أن استخدام الأطفال كورقة ضغط أو وسيلة للمساومة بين الوالدين يفاقم من حجم الأضرار النفسية والاجتماعية التي يتعرضون لها.

وتؤكد أن الطفل يحتاج إلى الحب والأمان والاستقرار أكثر من حاجته إلى أي شيء آخر، وأن الحفاظ على هذه البيئة الآمنة يجب أن يكون أولوية في جميع القرارات المتعلقة بالحضانة والرعاية الأسرية.

المرأة العراقية شريك في بناء المجتمع

وتلفت الدليمي إلى أن المرأة العراقية أثبتت عبر عقود طويلة دورها الأساسي في بناء المجتمع وتربية الأجيال، وقدمت نماذج ناجحة في مختلف المجالات العلمية والمهنية والاجتماعية.

وترى أن حماية حقوق الأم والطفل لا تمثل مطلباً فردياً أو فئوياً، بل هي قضية مجتمعية ترتبط بشكل مباشر باستقرار الأسرة، باعتبارها اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات السليمة والدول المستقرة.

في ظل التحديات القانونية والاجتماعية التي تواجه النساء عند اتخاذ قرار الطلاق، تبقى الحاجة ملحة إلى توفير بيئة قانونية أكثر عدالة وإنصافاً، تضمن حماية المرأة والطفل وتحفظ كرامة جميع الأطراف. فاستقرار الأسرة لا يتحقق عبر الضغوط أو سلب الحقوق، بل من خلال تشريعات متوازنة تراعي مصلحة الطفل أولاً، وتؤمن للمرأة الحماية والدعم اللازمين لاتخاذ قراراتها بحرية وأمان. وبينما تستمر المطالبات بتعزيز الضمانات القانونية والاجتماعية، يبقى الأطفال الحلقة الأضعف في أي نزاع أسري، ما يجعل حماية مستقبلهم مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمجتمع والأسرة معاً