وبين الاعتراف الدولي بالإبادة وتشريع قانون الناجيات الإيزيديات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أُنصفت نساء شنكال حقاً، أم أن العدالة ما تزال حبيسة البيانات والوعود؟

وفي هذا الملف، تتحدث باحثات وناشطات عراقيات لـ"روج نيوز" عن واقع العدالة، والثغرات القانونية، والإخفاقات الحكومية، وما تحتاجه النساء الإيزيديات اليوم أكثر من أي وقت مضى.

https://rojnews.video/v/bwqSlU

العدالة ليست قانوناً فقط… بل حياة تُستعاد

ترى الباحثة والناشطة المتخصصة بقضايا المرأة، الدكتورة بشرى الزويني، أن تقييم مسار العدالة يجب أن يكون موضوعياً، فلا يمكن الادعاء بأن العدالة تحققت، كما لا يمكن إنكار ما تحقق من خطوات قانونية ومؤسساتية.

وتؤكد الزويني لـ"روج نيوز" أن تشريع قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021 يُعد من أبرز التشريعات التي أقرها العراق لإنصاف الضحايا، لما يتضمنه من حقوق تتعلق بالتعويض والرعاية الصحية والنفسية والتعليم والتمكين الاقتصادي، فضلاً عن إنشاء المديرية العامة لشؤون الناجيات في نينوى.

لكنها تشير إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق، إذ ما تزال كثير من الحقوق حبراً على ورق، ولم تنعكس بصورة فعلية على حياة النساء اللواتي خرجن من الأسر.

وتضيف أن الإبادة الجماعية خلّفت آثاراً لا يمكن لأي قانون أن يمحوها، فالتحرر من داعش لم يكن نهاية المأساة، بل بداية رحلة طويلة مع الصدمات النفسية والعزلة الاجتماعية والفقر وفقدان أفراد الأسرة.

الناجيات… حرب لا تنتهي بعد التحرير

تؤكد الزويني أن آلاف الناجيات ما زلن بحاجة إلى برامج علاج نفسي وتأهيل اجتماعي طويلة الأمد، لأن الصدمة التي تعرضن لها لا تُعالج بمبادرات مؤقتة أو مساعدات موسمية.

وترى أن غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي، إلى جانب ضعف التخصيصات المالية، أدى إلى تعثر تنفيذ الكثير من برامج الدعم، إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً لاستمرار التأخير في تنفيذ حقوق الضحايا.

فالعدالة، بحسب الزويني، لا تعني إنقاذ النساء من الأسر فقط، بل مساعدتهن على استعادة حياتهن وكرامتهن واندماجهن الكامل داخل المجتمع.

الجناة خارج قفص الاتهام… والضحايا ينتظرون

واحدة من أكثر الثغرات إيلاماً، بحسب الزويني، تتمثل في ملف المحاسبة.

وتوضح أن العراق لا يمتلك حتى الآن منظومة تشريعية متكاملة لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى بطء إجراءات المساءلة، رغم مرور سنوات على هزيمة تنظيم داعش.

وتشير إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2379 وتشكيل الفريق الأممي لجمع الأدلة الخاصة بجرائم داعش شكلا خطوة مهمة، إلا أن انتهاء مهمة الفريق عام 2024 لم ينعكس حتى الآن على حجم المحاكمات بالشكل الذي يحقق العدالة ويبعث الطمأنينة لدى الضحايا.

وتشدد على أن توثيق الجرائم وحده لا يكفي، لأن العدالة الحقيقية تبدأ عندما يقف الجناة أمام القضاء.

ملف يُستدعى في الذكرى… ثم يُنسى

وتنتقد الزويني التعامل الموسمي مع قضية الإبادة الجماعية، إذ تعود القضية إلى الواجهة مع حلول ذكرى الثالث من آب، ثم تتراجع مجدداً عن أولويات المؤسسات.

وترى أن إحياء الذكرى يجب أن يتحول إلى سياسات حكومية مستمرة، تشمل البحث عن المفقودات، وتأهيل الناجيات، وملاحقة الجناة، وضمان الحقوق بصورة دائمة، بدلاً من الاكتفاء بالخطب وبيانات الإدانة.

وأكدت أن استمرار وجود نازحات في المخيمات، إلى جانب استمرار معاناة العائلات التي ما تزال تبحث عن بناتها، يثبت أن آثار الإبادة لم تنتهِ، وأن العدالة ما تزال ناقصة، مهما تعددت القوانين أو المبادرات.

وشددت على أن مسؤولية إنصاف الناجيات لا تقع على عاتق الحكومة العراقية وحدها، بل تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً، لأن عدداً من مرتكبي الجرائم فروا إلى خارج البلاد، وهو ما يستوجب دوراً أكثر فاعلية من وزارة الخارجية، والأجهزة الأمنية، والإنتربول، والجهات القضائية الدولية، لملاحقة المتورطين أينما وجدوا.

لا عدالة وهناك آلاف المفقودات

من جهتها، تؤكد الناشطة المدنية سهيلة الأعسم أن العدالة الحقيقية لم تتحقق حتى الآن، رغم مرور أكثر من عقد على الإبادة.

وتقول لـ"روج نيوز" إن الاعتراف الدولي بالإبادة وإقرار قانون الناجيات يمثلان إنجازين مهمين، لكنهما لا يكفيان ما دام آلاف المفقودين مجهولي المصير.

وتشير إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف امرأة إيزيدية ما زال مصيرهن مجهولاً، الأمر الذي يجعل الحديث عن اكتمال العدالة سابقاً لأوانه.

وتضيف أن الكشف عن مصير المختطفات يمثل أولوية إنسانية قبل أن يكون التزاماً قانونياً، داعية إلى مضاعفة الجهود الأمنية والاستخبارية والدولية للوصول إليهن.

أطفال داعش… الضحايا الذين لا يعترف بهم القانون

تلفت الأعسم إلى أن قانون الناجيات الإيزيديات ما يزال يواجه نقصاً واضحاً فيما يتعلق بالأطفال المولودين خلال فترة أسر أمهاتهم لدى تنظيم داعش.

وأضافت أن هؤلاء الأطفال كبروا اليوم، لكن كثيرين منهم ما زالوا يواجهون مشكلات تتعلق بالاعتراف القانوني وإصدار الوثائق الرسمية، الأمر الذي يحرمهم من حقوق أساسية ويصعّب عملية اندماجهم في المجتمع.

وشددت على أن هؤلاء الأطفال ضحايا مثل أمهاتهم، ولا يجوز أن يبقوا خارج مظلة الحماية القانونية أو أن يتحملوا تبعات جرائم لم يرتكبوها، مؤكدة أن الاعتراف بهم ومنحهم حقوقهم الكاملة يمثل استحقاقاً إنسانياً وقانونياً لا يحتمل المزيد من التأجيل.

واختتمت الأعسم حديثها بدعوة الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان إلى تجاوز الخلافات السياسية والتعامل مع ملف الإيزيديين بوصفه قضية إنسانية ووطنية، مطالبة بتفعيل القوانين القائمة، واستكمال النواقص التشريعية، وتسريع إعادة إعمار سنجار، وتأمين العودة الآمنة للنازحين، والكشف عن مصير المفقودين، ومحاسبة الجناة، وتوفير الحماية والرعاية الصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية للإيزيديين، مؤكدة أن العدالة لن تكتمل ما لم يشعر الضحايا بأن الدولة أعادت لهم حقوقهم وكرامتهم، وضمنت لهم مستقبلاً آمناً داخل وطنهم.

 

شنكال… مدينة تنتظر العودة

لا تنفصل قضية النساء عن واقع شنكال نفسها، فبحسب الأعسم، ما تزال المدينة تعاني من بطء إعادة الإعمار، واستمرار الخلافات السياسية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، فضلاً عن تعدد الجهات الأمنية، وهي عوامل أخرت عودة آلاف العائلات.

وتؤكد أن العودة الحقيقية لا تتحقق بمجرد فتح الطرق، بل بتوفير الأمن والخدمات وفرص العمل والتعليم والرعاية الصحية، لأن الخوف من تكرار المأساة ما يزال يدفع كثيراً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

الإبادة بالأرقام… جريمة ما زالت تنزف

تشير البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات دولية معنية إلى أن:

  • أكثر من 6400 إيزيدي تعرضوا للاختطاف عام 2014.
  • نحو 5000 شخص قُتلوا خلال الهجوم الأول على شنكال.
  • آلاف النساء والفتيات تعرضن للسبي والاستعباد الجنسي.
  • لا يزال آلاف المختطفين في عداد المفقودين.
  • اكتُشفت عشرات المقابر الجماعية في شنكال ومحيطها، فيما لا تزال عمليات فتحها والتعرف على الضحايا مستمرة.
  • أقر العراق عام 2021 قانون الناجيات الإيزيديات لتعويض النساء الناجيات وتوفير الرعاية لهن، إلا أن منظمات حقوقية ما تزال تطالب بالإسراع في تنفيذ جميع مواده.

قد يستطيع الزمن أن يغيّر ملامح المدن، لكنه لا يمحو ذاكرة النساء اللواتي خرجن من سوق النخاسة وهن يحملن جراحاً لا تُرى. وفي كل ذكرى للإبادة، يتكرر السؤال ذاته: هل أنصف العراق نساء شنكال؟

الإجابة، كما تؤكد الباحثات والناشطات اللواتي تحدثن لـ"روج نيوز"، ما تزال معلقة بين قانون يحتاج إلى تنفيذ، وعدالة تنتظر محاكمات حقيقية، ومدينة تنتظر الحياة، وآلاف الأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن عودة بنات لن يكتمل الوطن من دونهن.

فالعدالة ليست خطاباً في ذكرى، ولا بيان إدانة، بل وعد تثبته الأفعال… وحتى يتحقق ذلك، ستبقى شنكال شاهدة على جريمة لم تنته آثارها، وعلى نساء يطالبن بحقهن في الحياة والكرامة والإنصاف.