وجددت الضربات النقاش بشأن مدى قدرة بغداد على المضي بخطة حصر السلاح بيد الدولة، في وقت أدانت فيه الحكومة الهجمات ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة، مؤكدة في الوقت نفسه أنها تعمل على منع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول الجوار، بما ينسجم مع التزاماتها الأمنية والدستورية.
وأعلنت هيئة الحشد الشعبي مقتل 20 من منتسبيها وإصابة 32 آخرين جراء القصف الذي طال مواقع في بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى.
وفي المقابل، تتهم الولايات المتحدة وعدد من دول الخليج بعض الفصائل بالارتباط بشبكة النفوذ الإيرانية، بينما تؤكد تلك الفصائل أنها جزء من المنظومة الأمنية العراقية، وأن سلاحها مرتبط بمواجهة التهديدات الخارجية.
ويرى المحلل السياسي فلاح المشعل أن الضربات تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب العسكري، وترتبط بالصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة، فضلاً عن التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية العراقية.
وقال المشعل في تصريح لـ"روج نيوز"، إن “إيران تحفظت على زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى السعودية، وسعت إلى إفشال نتائجها، كما تنظر بقلق إلى الانفتاح العراقي على الولايات المتحدة وتركيا، باعتبار أن ذلك يحد من نفوذها السياسي والاقتصادي داخل العراق”.
وأضاف أن “طهران رأت في هذا التقارب ابتعاداً تدريجياً عن دائرة نفوذها، لذلك دفعت الفصائل المقربة منها إلى تصعيد الهجمات باتجاه السعودية لعدة أيام، الأمر الذي استدعى رداً أميركياً سعودياً استهدف مواقع للفصائل ومخازن للأسلحة”.
وأشار إلى أن الحكومة العراقية ستبذل أقصى جهودها لمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة إقليمية جديدة، ومنع الفصائل من فتح جبهات لا تخدم المصلحة العراقية.
وكانت الحكومة العراقية قد وضعت ملف حصر السلاح ضمن أولويات برنامجها، وحددت نهاية أيلول/سبتمبر 2026 موعداً لاستكمال تنظيم السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وسط انقسام سياسي بشأن آليات تنفيذ هذا الملف.
وعقب الضربات، أعلنت فصائل عراقية ضمن ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” أن ردها “قادم لا محالة”، ومنحت الحكومة مهلة حتى السادس من آب لإثبات قدرتها على حماية السيادة العراقية، مع نفيها مسؤوليتها عن استهداف السعودية، لكنها لوحت بإمكانية استهداف مصالح سعودية إذا اقتضت الظروف.
من جانبه، قال المحلل السياسي غازي فيصل إن العراق يقف أمام مرحلة جديدة من التصعيد بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة، مشيراً إلى أن واشنطن تتحدث منذ سنوات عن تعرض مصالحها لمئات الهجمات، في حين تعلن بعض الفصائل أنها تخوض مواجهة مفتوحة مع الوجود الأميركي.
وأوضح فيصل، في تصريح لـ"روج نيوز"، أن “عدداً من الفصائل يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي يجعل قراراتها تتأثر بحسابات إقليمية تتجاوز المصالح الوطنية العراقية".
وأضاف أن “الحكومة العراقية ليست طرفاً في هذه المواجهة، كما أن الضربات لم تستهدف مؤسسات الدولة العراقية، وإنما مواقع تابعة لفصائل مسلحة، إلا أن بغداد تبقى مسؤولة عن حماية البعثات الدبلوماسية ومنع استخدام أراضيها للاعتداء على الدول الأخرى، وفقاً للدستور والقانون الدولي".
ورأى أن التحدي الأكبر يكمن في الفصل بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة، مؤكداً أن المصلحة الوطنية تقتضي حصر السلاح بيد الدولة، وأن تكون القوات المسلحة العراقية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن والدفاع.
وأضاف أنه لا يتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تدهور العلاقات بين بغداد وواشنطن أو دول الخليج، إذا استمرت الحكومة في رفض الهجمات الصاروخية ومنع استخدام الأراضي العراقية للإضرار بالدول الأخرى.
ورجح فيصل أن تحاول بعض الفصائل الرد عبر إطلاق صواريخ أو طائرات مسيرة، إلا أن مثل هذه الهجمات ستقابل برد مباشر، في حين من المستبعد أن تدخل القوات العراقية في مواجهة مع الولايات المتحدة أو السعودية، لأن الحكومة ليست طرفاً في هذا الصراع.
ويقول إن “تعزيز سلطة الدولة، وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الدستورية، ومنع أي جهة غير رسمية من استخدام الأراضي العراقية لتصفية الحسابات الإقليمية، يمثل الطريق الوحيد للحفاظ على سيادة العراق وأمنه”.
وتأتي هذه التطورات قبل الموعد المحدد لاستكمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق نهاية أيلول/سبتمبر 2026، وهو استحقاق تسعى بغداد إلى إنجازه لتأكيد استقلال قرارها الأمني. إلا أن استمرار الهجمات على القوات الأميركية أو مصالح حلفائها قد يمنح واشنطن مبررات للإبقاء على وجودها العسكري، بحسب تقديرات خبراء أمنيين.
