هذا التساؤل تصدر منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، إذ انقسمت الآراء بين من يرى أن ما يجري يمثل بداية غير مسبوقة لمحاسبة الفاسدين، وبين من يعتقد أن الحملة لن تحقق أهدافها ما لم تصل إلى الرؤوس السياسية التي صنعت منظومات الفساد أو وفرت لها الحماية.
https://rojnews.news/ar/?p=278493ويقول المحلل السياسي غازي فيصل، في حديث لـ"روج نيوز"، إن حملة مكافحة الفساد إذا استمرت بصورة جادة وممنهجة، مع تطبيق القوانين وإجراءات الرقابة والمساءلة وإحالة المتهمين إلى القضاء، فإنها ستشكل إنجازاً كبيراً لرئيس الوزراء علي الزيدي، وتسهم في تحرير العراق من منظومة الفساد المالي والسياسي التي ألحقت أضراراً جسيمة بالبلاد منذ عام 2003.

ويضيف فيصل أن الحديث لا يدور اليوم حول حالات فردية، بل عن منظومة فساد متجذرة داخل مؤسسات الدولة، وما تزال العديد من ملفاتها الكبرى عالقة منذ سنوات من دون حسم قضائي، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن أسباب تعثرها. فشبكات الفساد، بحسب رأيه، لا تقتصر على أفراد، بل تمتد إلى علاقات سياسية وحزبية واقتصادية توفر الحماية لبعض المتورطين.
ويتابع: "عندما نتحدث عن وزير أو وكيل وزارة أو مسؤول رفيع المستوى متهم بالفساد، فإن السؤال الطبيعي هو: من الجهة السياسية التي تقف خلفه؟ ومن وفر له الغطاء الذي مكنه من الاستمرار؟ لذلك فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تقتصر على محاسبة الأشخاص فقط، بل يجب أن تشمل تفكيك شبكات المصالح التي وفرت الحماية لهم".
وحول التحقيقات الجارية وما قد تواجهه من عقبات سياسية أو قانونية، يؤكد فيصل أن النجاح يتطلب تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، مشدداً على ضرورة ألا تكون هناك حصانات سياسية أو حزبية تمنع القضاء من أداء دوره، وأن يكون القانون فوق الجميع.
وفيما يخص الجدل الدائر بشأن إمكانية استخدام ملفات الفساد في إطار الصراعات السياسية أو إعادة تشكيل المشهد السياسي، يرى فيصل أن الهدف الأساسي يجب أن يكون تحقيق العدالة وتطبيق القانون، وليس تصفية الحسابات بين القوى السياسية، مؤكداً أن أي قضية فساد مثبتة بالأدلة والوثائق ينبغي أن تنتهي أمام القضاء واسترداد الأموال العامة، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو الحزبية.
وكانت السلطات العراقية قد أطلقت، فجر الأحد الماضي، حملة اعتقالات طالت عشرات المسؤولين، بينهم نواب ومديرون عامون ومسؤولون حكوميون، بتهم تتعلق بالاستيلاء على المال العام، فيما أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية تنفيذ مذكرات قبض قضائية بحق متهمين بالتجاوز على المال العام، مؤكدة أن الإجراءات تجري بإشراف القضاء ووفقاً للقانون.
وكشفت مصادر قضائية وأمنية أن عدداً من تلك الاعتقالات استند إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الموقوف منذ الشهر الماضي على خلفية قضايا فساد.
وقال قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، ضياء جعفر، إن التحقيقات مع الجميلي كشفت تورط عدد من أعضاء مجلس النواب في استغلال موارد الدولة للدعاية الانتخابية والانتفاع من العقود الحكومية، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، ما أدى إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم واعتقال عدد منهم.
وأضاف أن المحكمة خاطبت مجلس النواب لرفع الحصانة عن النواب المتهمين قبل تنفيذ أوامر القبض، بالتعاون مع هيئة النزاهة وجهات إنفاذ القانون، مشيراً إلى ضبط أموال ومبرزات جرمية، مع استمرار التحقيقات واحتمال اتخاذ إجراءات جديدة بحق شخصيات سياسية أخرى خلال الفترة المقبلة.
من جانبه، يرى المحلل السياسي عصام الفيلي أن الزيدي استفاد من تجارب الحكومات السابقة، وأدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع رؤوس منظومات الفساد، المدعومة سياسياً وتمتلك نفوذاً أمنياً وخارجياً، قد يؤدي إلى إفشال مشروعه منذ بدايته.
ويقول الفيلي لـ"روج نيوز" إن رئيس الوزراء اعتمد استراتيجية مختلفة، بالتعاون مع السلطة القضائية وجهاز مكافحة الإرهاب وهيئة النزاهة، تقوم على استهداف أذرع الفساد وشبكاته التنفيذية، باعتبارها الأدوات التي تعتمد عليها الشخصيات النافذة في إدارة مصالحها.
ويضيف أن هذه المقاربة تهدف إلى إضعاف منظومات الفساد تدريجياً وإجبارها على فقدان أدواتها، مؤكداً أن من يعتقد أن الحملة ستقتصر على الأشخاص فقط يخطئ في قراءة المشهد، لأن المعركة، بحسب وصفه، تمتد إلى المؤسسات والهياكل التي ساهمت في هدر المال العام، وقد تفتح الباب لاحقاً للوصول إلى مستويات أعلى إذا استمرت الإجراءات بالوتيرة نفسها.
https://rojnews.news/ar/?p=277859
