مساء الاثنين 13 تموز 2026، وصل رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة الأميركية واشنطن، تلبية لدعوة رسمية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا يزال حتى الآن يواصل زيارته التي تمتد بين ثمانية وتسعة أيام.

ولا تعد هذه الزيارة مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، إذ يرافق الزيدي وفد عراقي كبير يضم 44 مسؤولا رفيع المستوى، إلى جانب عدد من رجال الأعمال وممثلي الشركات العراقية وشركات من إقليم كردستان.

ويضم الوفد وزراء المالية والنفط والكهرباء والتجارة والخارجية، إضافة إلى محافظ البنك المركزي، فيما يتمثل الهدف الرئيسي للزيارة في توقيع أكثر من 15 اتفاقية وعقدا استراتيجيا مع كبرى الشركات الأميركية في مجالات متعددة، أبرزها:

قطاع النفط والغاز، والصحة، والزراعة، والإصلاح المالي، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وإنشاء صندوق مشترك للتنمية يمول من عائدات النفط، بهدف تنفيذ مشاريع استراتيجية مثل ميناء الفاو، وخط السكك الحديد، ومشروع طريق التنمية، بالشراكة مع شركات أميركية كبرى.

كما تشمل الاتفاقيات قطاع التكنولوجيا، وفي مقدمته مشروع إدخال خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” إلى العراق.

وتوجه الوفد العراقي أيضا إلى ولاية تكساس لعقد اجتماعات مع كبرى شركات النفط والطاقة في مدينة هيوستن، تمهيدا لتوقيع اتفاقيات مع شركات أميركية عملاقة، من بينها إكسون موبيل وشيفرون وهاليبرتون، بهدف تطوير قطاعي النفط والغاز.

ولتشجيع هذه الشركات على الاستثمار، أبدى الزيدي استعداد حكومته لزيادة نسبة أرباح بعض الشركات الأجنبية من المشاريع النفطية، إذ طرح رفع حصة شركة شيفرون من 10 بالمئة إلى 15 بالمئة.

وبحضور توم باراك، المبعوث الخاص للرئيس ترامب إلى سوريا والعراق، ناقش الجانب الأميركي أيضا مشروع إنشاء خطين لنقل الطاقة من العراق عبر سوريا والأردن إلى البحر المتوسط، ليكونا بديلا استراتيجيا عن مضيق هرمز.

وعود ترامب.. وما ينتظره بالمقابل

تشير المعلومات إلى أن ترامب أبلغ الزيدي بأن نجاحه في ضبط الفصائل المسلحة المقربة من إيران، وتهيئة الظروف لمرحلة جديدة من العلاقات بين بغداد وواشنطن، سيقابله استعداد أميركي لتوفير منظومات دفاع جوي في أكثر من عشرين موقعا داخل العراق وإقليم كردستان.

إلا أن تنفيذ هذه الاتفاقيات لن يكون مهمة سهلة، في ظل تحديات سياسية وأمنية معقدة بدأت ملامحها بالظهور.

30 أيلول.. موعد مفصلي في تاريخ العراق

حدد الثلاثون من أيلول من هذا العام موعدا نهائيا لحسم ملف السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق، والتي كانت تعمل ضمن إطار الحرب على تنظيم داعش.

وبانتهاء هذه المهمة، لن يبقى مبرر رسمي لاستمرار وجود السلاح بيد الفصائل المسلحة خارج مؤسسات الدولة.

وباختصار، تقوم التفاهمات بين الزيدي وترامب على إخراج السلاح غير الرسمي من المشهد العراقي، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية والشركات العالمية للدخول إلى السوق العراقية.

وقد أبلغت جميع الفصائل المسلحة بضرورة إنهاء ملف السلاح خارج إطار القانون قبل الموعد المحدد، لكن يبقى السؤال: هل ستلتزم جميع تلك الفصائل بذلك؟

من هي الفصائل التي ترفض تسليم السلاح؟

الفصائل الشيعية المسلحة التي تطلق على نفسها اسم “المقاومة الإسلامية”، والمدعومة من إيران، أعلنت بشكل واضح أنها لن تسلم سلاحها، وأنها مستعدة لمواجهة أي تهديد أميركي أو إسرائيلي.

وتضم هذه الفصائل كتائب سيد الشهداء، وكتائب كربلاء، وأنصار الله الأوفياء، وحركة النجباء، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله.

ووجهت هذه الفصائل رسالة من أربعة بنود إلى الحكومة العراقية، أكدت في بندها الثالث ضرورة إنهاء وجود القوات الأجنبية على الأراضي العراقية وفي أجوائها، ومنع أي شكل من أشكال الوجود الأجنبي، سواء تحت غطاء سياسي أو أمني أو اقتصادي.

وفي البند الأخير شددت على أن سلاحها “سلاح مقدس”، وأن وجوده يمثل ضمانة للدفاع عن العراق ومقدساته، طالما بقيت هناك قوات أجنبية داخل البلاد.

كيف تنظر الفصائل إلى تحركات الزيدي؟

ترفض هذه الفصائل بشدة أي صيغة تبقي على الوجود الأميركي، سواء تحت عنوان اتفاق أمني ثنائي أو مستشارين عسكريين أو أي مسمى آخر، وتعتبر ذلك انتهاكا للسيادة العراقية.

كما تبدي فصائل مثل حركة النجباء وكتائب حزب الله انعدام الثقة بالوعود الأميركية، وتتهم الحكومة العراقية بأنها تخضع لضغوط واشنطن وتعمل على كسب الوقت.

لماذا تؤخذ تهديدات هذه الفصائل على محمل الجد؟

خلال السنوات الماضية، استهدفت هذه الفصائل مرارا منشآت النفط والغاز، كلما شعرت بأن المصالح الاقتصادية الإيرانية مهددة، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيرة.

ومن أبرز تلك الهجمات:

  • حقل غاز كورمور في محافظة السليمانية، الذي تديره شركة دانة غاز الإماراتية، تعرض لسلسلة هجمات في أعوام 2022 و2023، ثم هجوم جديد في نيسان 2024 بطائرة مسيرة، ما أدى إلى تعطيل إنتاج الغاز، واستمرت الهجمات حتى عام 2025.
  • حقل خورمالة النفطي جنوب غربي هولير، الذي تديره مجموعة كار، تعرض عام 2022 لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة انطلقت من محافظة نينوى.
  • مصفاة كويركوسك في محافظة هولير، التي تديرها أيضا مجموعة كار، تعرضت خلال نيسان وأيار 2022 لهجمات صاروخية.

أما في وسط العراق وجنوبه، فقد استهدفت الفصائل المسلحة شركات النفط الأجنبية، وخاصة الأميركية، في محاولة للضغط عليها للانسحاب أو لإرسال رسائل سياسية إلى واشنطن.

ومن بين تلك المواقع:

  • حقل الزبير النفطي في محافظة البصرة، الذي تديره شركة إيني الإيطالية، تعرض خلال السنوات الماضية لهجمات بصواريخ الكاتيوشا.
  • حقل غرب القرنة شمال البصرة، الذي كانت تديره شركة إكسون موبيل الأميركية، شهد خلال عامي 2019 و2020 عدة هجمات بصواريخ الكاتيوشا استهدفت مقرات إقامة الموظفين الأجانب، ما دفع الشركة إلى سحب عدد من موظفيها.

كما غادرت شركات أجنبية عدة العراق بسبب المخاوف الأمنية، وفي مقدمتها شركة إكسون موبيل، التي باعت رسميا حصتها في حقل غرب القرنة-1 نهاية عام 2023، وانسحبت بالكامل من قطاع النفط في جنوب العراق.

ومن بين الشركات التي تأثرت أيضا هاليبرتون، وبيكر هيوز، وHKN Energy، إلى جانب شركات أخرى تعمل في قطاعات الطاقة والخدمات والاستثمار.

هل يعيد التاريخ نفسه أم يفتح العراق صفحة جديدة؟

بعد وصول الزيدي إلى واشنطن، وجه الأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي رسالة شديدة اللهجة هاجم فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والشركات الأميركية، مؤكدا أنهم لن يسمحوا للولايات المتحدة بـ”سرقة نفط العراق وثرواته”، وأنهم سيعملون على إخراجها من الأراضي والأجواء العراقية، مشيرا إلى استعداد فصائل المقاومة لتنفيذ ذلك.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك علي فالح الزيدي القدرة على تجاوز هذه التحديات وقيادة العراق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والاستثمار؟ أم أنه سيواجه المصير ذاته الذي واجهه من سبقوه، لتبقى الاتفاقيات والعقود والوعود مجرد حبر على ورق؟