من وجهة نظري كصحفي عراقي أتابع ما يجري وأبحث في تفاصيله تساءلت، هل يعلم هذا المدوّن معنى ما يضعه في صورة ملفه الشخصي أم يجهل دلالته أم أنها مجرد محاولة للفت الانتباه والتباهي بادعاء الثقافة. وتساءلت مرة أخرى، أيعقل أن يضع مدوّن تعاليم شوروباك في صفحته الشخصية ثم لا يطلع على شيء من مضمونها ولو بقدر يسير.

ولقد أوصت تعاليم شوروباك قبل أكثر من أربعة آلاف عام بألا يثير الإنسان الخصومات وألا يرد الشر بالشر وأن يحفظ العهد ويقول الصدق ورغم مرور آلاف السنين ما زالت هذه الوصايا تشكل أساسا أخلاقيا لأي مجتمع يسعى إلى العيش المشترك وكأنها كتبت لتخاطب الإنسان في كل زمان لا إنسان عصرها فحسب.

ولعل أجمل ما في تلك الوصايا أنها تجاوزت الألواح الطينية وأصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية وقد تذكرت ذلك في موقف جمعني عام 2021 بشاب مصري يعمل في أحد مقاهي بغداد رغم أنه يحمل شهادة أكاديمية.

دار بيننا حديث طويل أخبرني خلاله أن صورته عن العاصمة بغداد قبل أن يأتي إليها كانت مختلفة تماما فقد كان يظنها مدينة يغلب عليها الانقسام الطائفي والقومي كما تصورها أحيانا مواقع التواصل الاجتماعي لكن حين عاش الواقع ولامس يوميات الناس عن قرب وجد مجتمعا مختلفا عما كان يتخيله مجتمعا لا يشبه ضجيج فيسبوك ولا يعكس الصورة القاتمة التي تصنعها التعليقات والمنشورات حيث وجد أناسا يتعاملون ببساطة ويتشاركون الخبز والكلام والعمل بعيدا عن التصنيفات التي يبالغ العالم الافتراضي في تضخيمها.

ومن هنا يمكن فهم العيش المشترك في العراق بعيدا عن صخب مواقع التواصل فهو لا يقرأ في التعليقات والمنشورات وإنما يتجسد في الشارع وفي السوق وفي المقهى وفي تفاصيل الحياة اليومية حيث يتجاور الناس رغم اختلافاتهم ويصنعون بطريقتهم الهادئة معنى التعايش.

وهذا ينسجم مع رؤية المفكر الكردي عبد الله أوجلان التي تقوم على أن المجتمع الحقيقي يتأسس على إرادة الناس في التعايش الحر لا على الانقسامات التي تفرضها السلطة أو المصالح السياسية وهو ما يؤكد ذلك. فمجتمع يمتد من زاخو إلى أقصى الجنوب يثبت في واقعه اليومي أن الناس بمختلف قومياتهم ومذاهبهم يبحثون عن العدالة والمساواة والتعاون أكثر مما يبحثون عن الصراع.

غير أن الخطابات السياسية وما ترافقها من جيوش إلكترونية وحملات تحريض غالبا ما تعكس صورة مغايرة فتعمق الفجوات بين أبناء المجتمع وتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة مصطنعة والحقيقة أن الشعوب تريد أن تعيش معا بينما تستثمر السياسة في كثير من الأحيان في أسباب الفرقة أكثر مما تستثمر في بناء العيش المشترك والعدالة.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من تعاليم شوروباك والمفكرين ومن واقع الحياة في العراق أن التعايش لا تصنعه الشعارات ولا تؤسسه المنشورات وإنما يبنيه الإنسان حين يرى في اختلاف الآخر سببا للتكامل لا مبررا للعداء.