ويأتي التحول نحو الأنظمة الإلكترونية، وفي مقدمتها نظام أسيكودا (ASYCUDA)، ضمن مساعي تحديث العمل الكمركي، والحد من التلاعب بالرسوم، وتسريع تخليص البضائع، وتعزيز الشفافية والرقابة على حركة التجارة.

وتُعد المنافذ الحدودية من الركائز الأساسية لسيادة الدولة وإدارة حركة التجارة والأفراد، إذ لا يقتصر دورها على تنظيم دخول الأشخاص وخروجهم وحركة البضائع، بل يمتد إلى دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الإيرادات العامة، ولا سيما في ظل حاجة العراق إلى تنويع مصادر دخله وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.

وتسهم المنافذ الحدودية، من خلال الرسوم والضرائب الكمركية المفروضة على السلع، في رفد خزينة الدولة بإيرادات مالية، فضلاً عن دورها في تنظيم حركة الاستيراد والتصدير، ومكافحة التهريب، وحماية المنتجات المحلية من المنافسة غير المشروعة، ومنع دخول السلع المخالفة للضوابط والمواصفات المعتمدة.

ويزداد هذا الدور أهمية في ظل التحديات المالية التي يواجهها العراق، إذ تمثل الإيرادات غير النفطية أحد المسارات المهمة لتعزيز الاستقرار المالي وتنويع الاقتصاد. ومن هنا، أصبحت كفاءة إدارة المنافذ الحدودية مؤشراً مهماً على قدرة الدولة على استثمار مواردها المالية وتحسين مستوى الإيرادات العامة.

وفي هذا السياق، اتجه العراق خلال السنوات الأخيرة إلى اعتماد أنظمة إلكترونية حديثة في العمل الكمركي، من بينها نظام أسيكودا، بهدف تطوير الإجراءات وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية، إلى جانب تسريع عمليات تخليص البضائع والحد من الروتين الإداري.

ويستهدف النظام تسريع الإجراءات الكمركية وتقليل البيروقراطية، فضلاً عن الحد من التلاعب في تقدير قيم البضائع والرسوم المستحقة، وتعزيز الرقابة والشفافية في عمليات الاستيراد والتخليص الكمركي.

وأشارت الجهات الحكومية إلى تحسن الإيرادات الكمركية في عدد من المنافذ عقب تطبيق الأنظمة الحديثة، وعزت ذلك إلى الحد من التلاعب في عمليات استيفاء الرسوم وتعزيز الرقابة على حركة التجارة. ويرى مختصون أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم بصورة أكبر في رفع كفاءة المنافذ، شرط أن يترافق مع رقابة فعالة وبنية تحتية تقنية متطورة وكوادر مؤهلة.

في المقابل، واجه تطبيق الأنظمة الإلكترونية في بعض المنافذ تحديات فنية وإدارية، من بينها محدودية الخبرات التقنية وعدم اكتمال البنية التحتية الرقمية، الأمر الذي تسبب في بعض الحالات بتأخر إجراءات دخول البضائع، وما يترتب على ذلك من ارتفاع تكاليف التخزين والنقل. ويرى آخرون أن جانباً من اعتراضات بعض التجار يرتبط بتشديد إجراءات التقييم الكمركي وإظهار القيمة الحقيقية للبضائع، بما يقلل فرص التلاعب بالرسوم المستحقة.

ولا تتوقف زيادة الإيرادات على التحول الإلكتروني وحده، إذ تتطلب إدارة المنافذ الحدودية منظومة متكاملة تشمل مكافحة الفساد، وتوحيد الإجراءات الكمركية، وتطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الموظفين، وتشديد الرقابة على عمليات استيفاء الرسوم والضرائب.

كما أن الموقع الجغرافي للعراق، الذي يربط بين أسواق إقليمية مهمة ويضم عدداً من المعابر البرية مع دول الجوار، يمنحه فرصة للاستفادة من حركة التجارة الإقليمية وتحويل المنافذ الحدودية إلى مراكز اقتصادية أكثر فاعلية، بما يسهم في تنمية الإيرادات غير النفطية وتعزيز النشاط التجاري.

وشهدت بعض المنافذ خلال الفترة الأخيرة اهتماماً حكومياً بتطوير البنية التحتية وتوفير أجهزة ومعدات حديثة، الأمر الذي من شأنه أن يساعد على تسريع عمليات التفتيش والتخليص الكمركي، وتحسين انسيابية حركة البضائع والمسافرين، وتقليل الوقت والتكاليف المرتبطة بالإجراءات الحدودية.

ويرى اقتصاديون أن استمرار إجراءات إعادة تنظيم العمل في المنافذ، وتدوير الموظفين، وتعزيز الرقابة الإدارية، إلى جانب التوسع في الأتمتة الإلكترونية، يمكن أن يسهم في زيادة إيرادات الدولة والحد من الفساد والتلاعب بالرسوم الكمركية، شرط أن تُطبق هذه الإجراءات ضمن منظومة رقابية موحدة وواضحة.

وبذلك، فإن تحويل المنافذ الحدودية إلى مورد مستدام للإيرادات يتطلب أكثر من مجرد فرض الرسوم والضرائب؛ فهو يرتبط بقدرة الدولة على بناء منظومة كمركية حديثة وشفافة وموحدة، تضمن تحصيل الإيرادات المستحقة وتسهّل حركة التجارة في الوقت نفسه. ومن شأن نجاح هذا المسار أن يعزز دور المنافذ الحدودية كمصدر مهم للإيرادات غير النفطية، ويدعم جهود العراق في تنويع اقتصاده وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار المالي.