ويرى مراقبون أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يقتصر على الملف النووي أو القضايا الثنائية، بل سيمتد إلى ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها العراق، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن ملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة.

طالب محمد كريم
طالب محمد كريم

وفي هذا السياق، قال الدكتور والباحث في الشأن السياسي طالب كريم لـ "روج نيوز"، إن أي تقارب أو تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بصورة مباشرة على المشهد العراقي، لأن بغداد كانت ولا تزال إحدى أهم ساحات التفاعل والتنافس بين الطرفين على مدى السنوات الماضية.

وأوضح أن المؤشر الحقيقي لنجاح أي تفاهم لن يكون في التصريحات السياسية أو اللقاءات الدبلوماسية أو البيانات المشتركة، بل في السلوك العملي على الأرض العراقية، باعتبار أن العراق يمثل الساحة الأكثر حساسية في اختبار النوايا المتبادلة بين واشنطن وطهران.

وأضاف أن الولايات المتحدة ستراقب من بغداد مدى التزام إيران بأي تفاهمات محتملة، من خلال متابعة مستوى تدخلها في الشأن الداخلي العراقي، ومدى استعدادها لإفساح المجال أمام المؤسسات الدستورية العراقية لاتخاذ قراراتها بحرية واستقلالية بعيداً عن الضغوط والتأثيرات الخارجية.

وأشار إلى أن ملف السلاح خارج إطار الدولة سيبقى الاختبار الأهم والأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، مبيناً أن نجاح الحكومة العراقية في التقدم بهذا الملف سيشكل مؤشراً مهماً على وجود تفاهمات حقيقية بين الطرفين.

وأكد كريم أن إظهار إيران استعداداً لدعم جهود الحكومة العراقية في حصر السلاح بيد الدولة، أو على الأقل عدم عرقلة تلك الجهود، سيفسر على أنه دليل عملي على جدية التفاهمات القائمة بين واشنطن وطهران، بينما سيعني استمرار تعثر هذا الملف أن التفاهمات لم تتجاوز حدود إدارة الخلافات التقليدية ولم ترتقِ إلى مستوى الشراكة أو التفاهم الاستراتيجي الحقيقي.

وبين أن العراق قد يكون من أكبر المستفيدين في حال نجاح هذا المسار، من خلال تعزيز الاستقرار السياسي الداخلي وتخفيف حدة الانقسامات والاستقطابات التي شهدتها الساحة العراقية خلال السنوات الماضية نتيجة الصراعات الإقليمية والدولية.

وأضاف أن نجاح التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران قد يوفر بيئة أكثر أمناً للاستثمار والتنمية الاقتصادية، فضلاً عن تقليل احتمالات التصعيد الأمني والعسكري الذي غالباً ما انعكست تداعياته على الداخل العراقي بصورة مباشرة.

وأوضح أن تخفيف التوترات الإقليمية سيمكن الحكومة العراقية من التركيز بصورة أكبر على الملفات الخدمية والاقتصادية والأمنية، ويمنحها قدرة أكبر على بسط سلطتها وتنفيذ قراراتها بعيداً عن تأثيرات الصراع بين القوى الخارجية.

وشدد على أن مستقبل أي تقارب أمريكي – إيراني سيقاس في العراق قبل أي مكان آخر، لأن نجاحه الحقيقي يرتبط بمدى تعزيز سيادة الدولة العراقية وتقليص حجم التدخلات الخارجية والتقدم في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، وهي ملفات ما تزال تمثل تحديات أساسية أمام الحكومات العراقية المتعاقبة.

حيدر حميد
حيدر حميد

من جانبه، أكد الدكتور والمحلل السياسي حيدر حميد لـ"روج نيوز"، أن التوصل إلى اتفاق شامل بين إيران والولايات المتحدة بشأن الملف النووي ستكون له انعكاسات إيجابية واسعة على منطقة الشرق الأوسط، وقد يساهم في إنهاء مرحلة طويلة من التوتر والصراع السياسي والأمني بين الطرفين.

وقال إن المنطقة عاشت لعقود تحت تأثير حالة الصراع المستمرة بين واشنطن وطهران، الأمر الذي انعكس على العديد من الملفات الإقليمية وأنتج أزمات أمنية وسياسية متعددة، مشيراً إلى أن أي اتفاق شامل قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تتسم بقدر أكبر من الاستقرار.

وأضاف أن المخاوف ستظل قائمة رغم ذلك، بسبب أزمة الثقة المتبادلة بين الجانبين، وما يرافقها من شكوك حول مدى التزام كل طرف ببنود أي اتفاق محتمل، لافتاً إلى أن تاريخ العلاقات بين البلدين شهد محطات عديدة من التوتر وعدم الالتزام بالتفاهمات السابقة.

وأشار حميد إلى أن الاتفاق، في حال نجاحه، سيمنح إيران فرصة للاستمرار كلاعب إقليمي مؤثر ضمن معادلات النفوذ والتوازنات السياسية في الشرق الأوسط، مع إعادة تنظيم طبيعة العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية

وفيما يتعلق بالعراق، أوضح أن أي اتفاق أمريكي – إيراني ستكون له آثار إيجابية مباشرة على الداخل العراقي، لكونه سيؤسس لحالة من التهدئة المتبادلة بين الطرفين وحلفائهما في المنطقة.

وأضاف أن الاتفاق سيقيد استخدام السلاح أو اللجوء إلى التصعيد العسكري ضد الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وضد إيران وحلفائها من جهة أخرى، وهو ما سيؤدي إلى خفض مستوى التوترات الأمنية التي كان العراق غالباً أحد أبرز المتأثرين بها.

وأكد أن هذا الواقع من شأنه أن يمنح العراق فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس بعد سنوات طويلة من الضغوط والصراعات، كما سيخفف من عبء تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

وتابع أن تراجع التوترات سيوفر للحكومة العراقية مساحة أوسع لاعتماد سياسة خارجية متوازنة، بعيداً عن ضغوط الاستقطاب والمحاور، كما سيعزز قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية المتراكمة.

وأشار إلى أن العراق يواجه ملفات معقدة تحتاج إلى بيئة مستقرة لمعالجتها، من بينها الأزمة المالية، والإصلاحات الاقتصادية، وملف حصر السلاح بيد الدولة، فضلاً عن التحديات الأمنية والسياسية الأخرى.

ورغم الآثار الإيجابية المحتملة لأي اتفاق، يرى حميد أن النفوذ الإيراني والتأثير الأمريكي داخل العراق سيبقيان قائمين، لأن العراق ما يزال يمثل نقطة تقاطع للمصالح الإقليمية والدولية، كما أن البنية السياسية والأمنية الحالية تسمح باستمرار هذا التأثير بأشكال مختلفة.

وبين رؤيتي الباحث طالب كريم والمحلل السياسي حيدر حميد، يتضح أن العراق سيكون الساحة الأكثر اختباراً لنتائج أي تفاهم أمريكي – إيراني محتمل. فبينما يراهن البعض على أن التقارب قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وتعزيز سيادة الدولة، يرى آخرون أن نجاح هذه الرهانات سيبقى مرتبطاً بمدى انعكاس التفاهمات على الواقع العراقي، وقدرتها على الحد من التدخلات الخارجية ودعم مؤسسات الدولة وتمكينها من فرض سلطتها على كامل الأراضي العراقية.

وفي جميع الأحوال، يبقى العراق في قلب معادلة العلاقة بين واشنطن وطهران، الأمر الذي يجعل مستقبله السياسي والأمني أحد أهم المؤشرات على نجاح أو فشل أي تقارب محتمل بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.