وتزداد هذه المفارقة وضوحاً مع استعداد البرلمان التركي لمناقشة مشروع قانون "تعزيز الوحدة الاجتماعية والتضامن الوطني" ففي الوقت الذي تسعى فيه أنقرة إلى وضع إطار قانوني للسلام داخل حدودها، يستمر وجودها العسكري داخل الأراضي العراقية ما يثير تساؤلات عن مدى انسجام هذا الوجود مع مسار السلام الجديد.
https://rojnews.news/ar/?p=283572
وكان مشروع القانون قد قدم إلى رئاسة البرلمان في 5 آب، بتوقيع 367 نائبا، ويتألف من 12 بندا، فيما ناقشته لجنة العدل خلال اجتماع عقد في 7 آب.
وبعد اجتماع استمر 18 ساعة، أقرت اللجنة مشروع القانون بأغلبية الأصوات، تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة للبرلمان.
وفي هذا السياق قالت الباحثة في الشأن السياسي ريزان شيخ دلير لـ "روج نيوز" إن "تركيا اتخذت من وجود حزب العمال الكردستاني ذريعة أساسية لتبرير وجودها العسكري داخل الأراضي العراقية، مؤكدةً أن التطورات الأخيرة في مسار السلام ونزع السلاح تستوجب إعادة النظر في هذا المبرر".

وقالت شيخ دلير إن "حزب العمال الكردستاني موجود في المنطقة منذ سنوات، مشيرةً إلى أن الانتقال نحو الحوار والحل السياسي يمثل فرصة حقيقية لإنهاء حالة الصراع".
وأضافت أن "استمرار الوجود العسكري التركي لا يرتبط بالجانب الأمني فقط، بل يتداخل أيضًا مع المصالح والعلاقات السياسية بين أنقرة وعدد من القوى السياسية داخل العراق وإقليم كردستان".
وأشارت إلى أن "بعض الأطراف السياسية الكردية لا تتعامل مع الوجود التركي باعتباره تهديدًا، بسبب علاقاتها السياسية والاقتصادية مع أنقرة، في حين يرفض جزء من الشارع الكردي استمرار التدخلات والعمليات العسكرية التركية".
وأكدت شيخ دلير أن "الحكومة العراقية سبق أن شهدت مطالبات نيابية وسياسية بإنهاء الوجود العسكري التركي وإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، إلا أن ردود الحكومة بقيت في كثير من الأحيان ضمن إطار البيانات والمواقف السياسية، من دون اتخاذ خطوات عملية كافية".
وشددت على أن "استمرار القوات التركية داخل إقليم كردستان يمثل تحديًا لسيادة العراق، داعيةً الحكومة الاتحادية إلى اتخاذ موقف أكثر وضوحًا وحزمًا تجاه الوجود العسكري التركي".
من جانبه، قال الباحث السياسي برهان رؤوف لـ "روج نيوز" إن "المبرر الأساسي الذي كانت تستند إليه الدولة التركية في إبقاء قواعدها العسكرية داخل الأراضي العراقية هو وجود قوات حزب العمال الكردستاني في تلك المناطق".
وأوضح رؤوف أن "التطورات الأخيرة، ولا سيما انطلاق عملية السلام وحرق السلاح، تستوجب إعادة النظر في هذا المبرر، وبالتالي مراجعة قرار استمرار الوجود العسكري التركي والبدء بسحب القوات التركية من الأراضي العراقية".

وأضاف أن "مسؤولية معالجة هذا الملف تقع بصورة أساسية على عاتق الحكومة الاتحادية في بغداد، باعتبار أن السياسة الخارجية والدفاع عن سيادة الدولة من اختصاص الحكومة الاتحادية".
وأشار رؤوف إلى أن "العراق وتركيا دولتان جارتان تربطهما مصالح مشتركة واسعة، خصوصًا في المجال الاقتصادي والتجاري، وفي مقدمتها خط أنابيب النفط الممتد من كركوك إلى ميناء جيهان التركي، إضافة إلى العلاقات التجارية والاستثمارات والشركات التركية العاملة في العراق وإقليم كردستان".
وأكد أن "حجم المصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين يجب أن يكون عاملًا لتعزيز العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل للسيادة، وليس مبررًا للتدخل العسكري".
وفي حديثه عن الاستراتيجية التركية، أوضح برهان رؤوف أن "الوجود العسكري التركي لا يقتصر على إقليم كردستان والعراق، بل يأتي ضمن انتشار وتحرك تركي أوسع في المنطقة، معتبرًا أن العراق يمثل أحد الملفات المهمة في الاستراتيجية الإقليمية لأنقرة".
وأضاف أن "المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها طريق التنمية، تجعل من احترام السيادة العراقية مصلحة مشتركة بين البلدين، وتوفر أساسًا لبناء علاقات اقتصادية وسياسية أكثر استقرارًا".
وفيما يتعلق بإنهاء الوجود العسكري التركي، قال رؤوف إن "بإمكان الحكومتين التركية والعراقية التوصل إلى صيغة مشتركة تنهي هذا الوجود، خصوصًا في ظل دخول حزب العمال الكردستاني في عملية سلام مع الدولة التركية".
وشدد على أن "حل الخلافات بين حزب العمال والدولة التركية ينبغي أن يتم من خلال الحوار والوسائل السياسية، وألا تتحول هذه الخلافات إلى سبب لاستمرار العمليات العسكرية داخل الدول المجاورة، ولا سيما العراق".
وأشار رؤوف إلى أن "إقليم كردستان والقرى الحدودية عانت خلال العقود الماضية من آثار الصراع، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين، وإخلاء قرى، وتضرر مناطق زراعية وبيئية، فضلًا عن حرق مساحات من الغابات نتيجة استمرار المواجهات العسكرية".
وأكد أن "الظروف الحالية، وفي ضوء عملية السلام وحوق السلاح، تمثل فرصة لإنهاء هذه المرحلة، داعيًا تركيا إلى احترام سيادة العراق وإقليم كردستان وسحب قواتها من الأراضي العراقية".
