ويرى الباحث المعرفي في أدب الأطفال الدكتور جاسم حمص صالح أن الطفل لا يصل إلى الشارع بإرادته، وإنما نتيجة سلسلة من الإخفاقات تبدأ من الأسرة، مروراً بالمدرسة، ولا تنتهي عند مؤسسات الدولة، مؤكداً أن معالجة الظاهرة تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يعيد الاعتبار للتربية والتعليم بوصفهما الأساس الحقيقي لبناء الإنسان.
الشارع نتيجة لفشل المنظومة التربوية
وقال صالح، في حديثه لـ"روح نيوز"، إن انتشار الأطفال المتسولين في الشوارع يعكس تراجع أداء المؤسسات المسؤولة عن تنشئة الطفل، بعد أن ضعف دور الأسرة، وتراجع تأثير المدرسة، وانحسر حضور المؤسسات التربوية والاجتماعية التي يفترض أن تسهم في بناء شخصية الطفل وصقل وعيه.
وأوضح أن المدرسة ليست مكاناً لتلقي الدروس فحسب، بل هي المؤسسة التي تُبنى فيها شخصية الإنسان، حيث يتعلم الطفل الانضباط، واحترام القانون، والتعاون مع الآخرين، واكتساب المعرفة. وعندما يُحرم من هذه البيئة، يفقد أهم فرصة لبناء ذاته، ويصبح أكثر عرضة للتأثر بما يفرضه الشارع من أفكار وسلوكيات قد تبتعد عن القيم الإنسانية والتربوية.
وأشار إلى أن الطفل الذي يغادر المدرسة مبكراً يدرك، وإن بصورة غير مباشرة، أنه فقد الطريق الذي يقوده إلى مستقبل أفضل، لأن التعليم يمثل البوابة الأساسية لصناعة الإنسان القادر على خدمة مجتمعه. ولذلك فإن ترك الدراسة لا يعني خسارة سنة دراسية فقط، بل خسارة مشروع إنسان كان يمكن أن يسهم في نهضة وطنه لو توفرت له الظروف المناسبة.
حقوق مهدورة ومخاطر متصاعدة
https://rojnews.video/v/fDi1wc
وأكد صالح أن عجز المجتمع عن حماية أطفاله وضمان حقوقهم الأساسية يمثل إعلاناً غير مباشر عن فشل المنظومة التربوية والاجتماعية، لافتاً إلى أن الطفل يمتلك حقوقاً كفلتها القوانين والمواثيق الدولية، تبدأ من الغذاء والرعاية الصحية، ولا تنتهي عند التعليم والمعرفة وحرية التعبير وبناء الشخصية.
وحذر من أن أخطر ما في الظاهرة لا يتمثل في التسول بحد ذاته، وإنما في نتائجه المستقبلية، إذ يصبح الطفل أكثر عرضة للاستغلال من قبل الجماعات المنحرفة أو الشبكات الإجرامية، الأمر الذي يهدد الأمن المجتمعي ويؤثر في استقرار الدولة على المدى البعيد.
وأضاف أن أطفال الشوارع قد يكتسبون سلوكيات سلبية مثل العنف والكذب والعدوانية وغياب الشعور بالمسؤولية، وهي سلوكيات تنشأ نتيجة الحرمان من التربية السليمة والتعليم والرعاية، مؤكداً أن استمرار الظاهرة يعني إنتاج أجيال تعاني من مشكلات اجتماعية ونفسية يصعب معالجتها لاحقاً.
أدب الأطفال... مشروع لبناء الإنسان
وفي سياق حديثه، شدد صالح على أن معالجة الظواهر الاجتماعية، وفي مقدمتها تسول الأطفال، لا تتحقق عبر الإجراءات القانونية أو الاقتصادية فقط، وإنما تحتاج إلى مشروع تربوي وثقافي طويل الأمد، يكون الطفل محوره الأساسي.
وأوضح أن أدب الأطفال يمثل إحدى أهم الأدوات القادرة على بناء شخصية الطفل وتنمية وعيه، لأنه يخاطب العقل والخيال في مرحلة تتشكل فيها منظومة القيم والمبادئ.
وأكد أن أدب الأطفال ليس مجرد قصص للترفيه، بل يحمل رسالة تربوية وثقافية تهدف إلى بناء الإنسان منذ سنواته الأولى، مبيناً أن الكاتب الموجه للطفل ينبغي أن يكون مربياً قبل أن يكون أديباً، وأن يمتلك رؤية إنسانية واضحة تسعى إلى غرس القيم الإيجابية، لأن الكلمة التي يقرأها الطفل في سنواته الأولى تبقى حاضرة في ذاكرته، وقد تؤثر في سلوكه ومستقبله.
الدولة تتحمل المسؤولية الأولى
وشدد صالح على أن الدولة تتحمل المسؤولية الأولى في بناء الإنسان، لأنها تضع السياسات العامة للتعليم، وترسم الفلسفة التربوية، وتحدد طبيعة المناهج الدراسية، مؤكداً أن نجاح أي مجتمع يبدأ من نجاح دولته في بناء طفل يمتلك المعرفة والوعي والانتماء.
وأوضح أن المناهج ينبغي أن تعزز قيم المواطنة والإنسانية والتسامح والعمل واحترام الآخر، وأن تسهم في بناء شخصية الطفل من مختلف الجوانب الفكرية والأخلاقية والاجتماعية.
وأضاف أن المعلم لا يؤدي وظيفة تعليمية فقط، بل يحمل رسالة تربوية تسهم في تشكيل وعي الطفل وصناعة مستقبله، فيما تمثل المدرسة الواجهة العملية لفلسفة الدولة، إذ تنتقل فيها المبادئ والقيم من المناهج إلى حياة الطفل اليومية، ولذلك فإن نجاحها لا يقاس بنسبة النجاح في الامتحانات وحدها، وإنما بقدرتها على إعداد إنسان صالح ومواطن مسؤول.
الأسرة... الحارس الأول للقيم
وبيّن صالح أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور الدولة أو المدرسة، بل يمثل الحلقة التي تحافظ على استمرارية القيم التربوية داخل المنزل.
وقال إن الطفل بعد انتهاء يومه الدراسي يعود إلى بيئته الأسرية، وهناك تبدأ المرحلة الثانية من عملية التربية، إذ يقع على عاتق الوالدين ترسيخ ما تعلمه، ومتابعة سلوكه، وتصحيح أخطائه، وتعزيز المبادئ التي اكتسبها.
وأكد أن الأسرة هي الحارس الأول للقيم الإنسانية والأخلاقية، لأنها الأقرب إلى الطفل والأكثر تأثيراً في تكوين شخصيته، وأن أي خلل في دورها سينعكس بصورة مباشرة على سلوك الأبناء ومستقبلهم، مشدداً على أن التكامل بين الأسرة والمدرسة يمثل الأساس الذي تقوم عليه التربية السليمة.
أطفال الشوارع... أبناء العراق
وأكد صالح أن أطفال الشوارع ليسوا غرباء عن المجتمع، بل هم أبناء العراق، ومن حقهم الحصول على جميع الحقوق التي كفلها الدستور، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية والسكن الكريم والحياة الآمنة.
وأضاف أن الطفل لا ينبغي أن يتحمل مسؤولية الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية التي دفعته إلى الشارع، لأن هذه المسؤولية تقع على عاتق الدولة والمجتمع.
وأشار إلى أن العراق يمتلك من الإمكانات والثروات ما يؤهله لتوفير حياة كريمة لجميع أطفاله، داعياً إلى تبني سياسات وطنية تعيد الأطفال إلى المدارس، وتوفر لهم الدعم النفسي والاجتماعي والصحي، بما يعيد دمجهم في المجتمع ويمنحهم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.
وأكد أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر حملات مؤقتة، وإنما تحتاج إلى تشريعات واضحة، وخطط طويلة الأمد، وتعاون حقيقي بين وزارة التربية ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، لرصد حالات التسول، وإعادة تأهيل الأطفال، ودعم الأسر الفقيرة التي تدفع أبناءها إلى العمل أو التسول.
حماية الطفولة... مسؤولية وطنية
وأكد صالح على أن حماية الطفل ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية وطنية مشتركة، لأن المجتمع الذي يحمي أطفاله اليوم هو المجتمع الذي يضمن أمنه واستقراره ومستقبله غداً.
وأضاف أن ترك الأطفال في الشوارع يمثل تهديداً حقيقياً لبنية المجتمع وقيمه، ويستوجب تحركاً عاجلاً يضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.
