وتكشف المقترحات عن تحرك إيراني لحماية الفصائل من الإجراءات التي تستعد حكومة علي الزيدي لاتخاذها بعد انتهاء المهلة بالتزامن مع توتر متصاعد بين طهران وواشنطن في مضيق هرمز وانعكاساته على صادرات النفط العراقي.

وقال مسؤول عراقي رفيع لـ"روج نيوز" إن "الحكومة رفضت مقترحات طرحها قاليباف، تضمنت نقل سلاح الفصائل مؤقتاً إلى إيران، وعدم دخول القوات الحكومية إلى جرف الصخر، والتريث في تنفيذ مهلة 30 أيلول وتمديدها".

وبحسب المسؤول، تمسكت الحكومة بتنفيذ مشروع حصر السلاح وفق الموعد المحدد ورفضت منح الفصائل مدة إضافية أو نقل أسلحتها إلى خارج البلاد بديلاً عن تسليمها إلى الدولة.

وتعمل حكومة الزيدي على وضع آليات لتسليم أسلحة الفصائل وتفكيك التشكيلات التي تعمل خارج المؤسسات الرسمية مع بحث دمج عناصرها في الأجهزة الأمنية أو الاستفادة منهم داخل مؤسسات الدولة.

وحظي المشروع بتأييد قوى داخل الإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة فضلا عن كتل سياسية أعلنت دعمها حصر السلاح وإنهاء النشاط المسلح خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة.

واستقبل الزيدي، الأربعاء، قاليباف والوفد المرافق له، وعقد الجانبان اجتماعاً تناول العلاقات بين بغداد وطهران وآفاق التعاون في عدد من المجالات.

وذكر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أن الزيدي أكد عمق العلاقات العراقية–الإيرانية والروابط التاريخية والجغرافية والدينية التي تجمع البلدين، مشيداً بالدعم الذي قدمته إيران للعراق خلال الحرب ضد تنظيم داعش.

من جانبه، ثمّن قاليباف جهود الحكومة العراقية في استقبال الزائرين الإيرانيين خلال زيارة أربعينية الإمام الحسين، مؤكداً حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون.

ولم يتضمن البيان الرسمي أي إشارة إلى ملف سلاح الفصائل أو المقترحات المتعلقة بمهلة 30 أيلول وجرف الصخر، على الرغم من أن هذه القضايا شكلت، وفق معلومات المسؤول العراقي، جزءاً أساسياً من مباحثات قاليباف في بغداد.

وجاءت زيارة قاليباف بعد تحرك أجراه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، التقى خلاله قادة فصائل وشخصيات سياسية عراقية.

وأفادت معلومات تسربت عن تلك الاجتماعات بأن قاآني أبلغ الأطراف التي التقاها أن سلاح الفصائل يمثل "خطاً أحمر"، وطالب بعدم المساس به خلال المرحلة الحالية.

كما دعا قادة الفصائل إلى الاحتفاظ بأسلحتهم، منتقداً الجهات التي أبدت استعدادها لتسليمها إلى الحكومة، وفق المعلومات المتداولة عن الزيارة.

وعزز قاليباف الموقف الإيراني خلال تصريحاته في بغداد، إذ أشاد بدور "المقاومة العراقية"، وقال إنها تحولت إلى قوة إقليمية وعالمية، واصفاً إياها بأنها أحد أبرز "عناصر القوة".

وتحمل تصريحات قاليباف رسالة سياسية إلى الحكومة العراقية والولايات المتحدة، تؤكد تمسك طهران بالفصائل وعدم استعدادها للتخلي عن نفوذها الأمني والسياسي داخل العراق.

ويرى المحلل السياسي محمود الحسيني أن "زيارة قاليباف تحمل أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية، وترتبط بنظرة إيران إلى العراق بوصفه عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي".

وقال الحسيني لـ"روج نيوز" إن "إيران تنظر إلى العراق على أنه امتداد لأمنها القومي، بالنظر إلى الحدود الطويلة والمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي تربط البلدين".

وأضاف أن "إعلان قاليباف تمسك بلاده بدعم المقاومة يحمل أهمية كبيرة مع توجه الحكومة العراقية إلى حصر السلاح بيد الدولة، ويؤكد أن طهران لا تزال متمسكة بالفصائل ومشروعها داخل العراق".

وأشار إلى أن "التحركات الأميركية الأخيرة على المستويين السياسي والعسكري تثير قلق إيران، لذلك جاءت الزيارة لإيصال رسالة إلى واشنطن مفادها أن طهران لن تتخلى عن العراق أو نفوذها فيه".

بالمقابل، عقد الإطار التنسيقي اجتماعاً مع قاليباف في القصر الحكومي، ناقش العلاقات العراقية–الإيرانية والتطورات الأمنية والسياسية في المنطقة.

وتناول الاجتماع، وفق معلومات "روج نيوز"، تداعيات التوتر في مضيق هرمز وسبل تسهيل مرور صادرات النفط العراقي، إلى جانب الهجمات الإيرانية على مواقع في إقليم كردستان والجهود الرامية إلى إبعاد العراق عن الصراع بين طهران وواشنطن.

ويعد مضيق هرمز ممراً أساسياً لصادرات النفط العراقي، ما يجعل أي تصعيد عسكري أو اضطراب في حركة الملاحة تهديداً مباشراً للإيرادات المالية والاقتصاد العراقي.

وتسعى بغداد إلى حماية صادراتها من تداعيات المواجهة الأميركية–الإيرانية، مع المحافظة على علاقاتها بطهران وتجنب تحويل أراضيها إلى ساحة للصراع بين الطرفين.

وتزامنت زيارة قاليباف مع تصعيد كتائب حزب الله لهجتها تجاه رئيس الوزراء علي الزيدي، ووضعها ثلاثة شروط قبل الدخول في أي تفاهم مع الحكومة بشأن تسليم السلاح.

وقال المسؤول الأمني للكتائب أبو مجاهد العساف إن شروط "المقاومة الإسلامية" تبدأ بالخروج الكامل للقوات الأميركية من الأراضي والأجواء العراقية، وضمان عدم عودتها، وإنهاء ما وصفه بالهيمنة الأميركية على القرارين السياسي والاقتصادي.

وحدد العساف انسحاب القوات التركية من شمال العراق شرطاً ثانياً، وطالب في الشرط الثالث بحل قوات البيشمركة.

ووجّه العساف انتقادات حادة إلى الزيدي، متهماً إياه بعدم الاستماع إلى نصائح بعض القوى السياسية والاعتماد على المبعوث الأميركي توم باراك وجهات أخرى.

كما اتهم الحكومة بتنفيذ عمليات اقتحام لمنازل عناصر الفصائل وترويع عائلاتهم، ملوحاً بالرد وفق مبدأ "العين بالعين والبادي أظلم".

يأتي التصعيد قبل نحو ستة أسابيع من انتهاء مهلة 30 أيلول، التي حددتها القوى السياسية الرئيسية لإنهاء النشاط المسلح خارج المؤسسات الرسمية.

وكان ائتلاف إدارة الدولة قد أكد، في الخامس من آب، ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وعدّ الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج الإطار الرسمي "خارجة عن القانون".

وحذر الائتلاف من أن أي نشاط مسلح يستمر بعد انتهاء المهلة سيجري التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب.

وتضع التطورات حكومة الزيدي أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تنفيذ قرار حصر السلاح، في ظل رفض الفصائل تسليم أسلحتها قبل تنفيذ شروط تتصل بالوجودين الأميركي والتركي، وسعي إيران إلى منع اتخاذ إجراءات مباشرة ضد حلفائها.

وتؤكد زيارة قاليباف أن ملف سلاح الفصائل تجاوز حدود النقاش الداخلي، ودخل مرحلة تفاوض إقليمي تتقاطع فيها حسابات بغداد وطهران وواشنطن، قبل الوصول إلى موعد 30 أيلول.