ويمثل الموعد المرتقب اختباراً مزدوجاً للحكومة العراقية؛ إذ يتزامن مع الجدول المعلن لإنهاء وجود القوات الدولية، فيما تسعى بغداد إلى إغلاق ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية. وبينما يبدو المسار الأول محكوماً بتفاهمات وجداول زمنية، يظل الثاني أكثر تعقيداً بسبب تشابكه مع النفوذ السياسي والأمني للفصائل وعلاقاتها الإقليمية.

وحاولت حكومات عراقية متعاقبة معالجة هذا الملف، من دون تحقيق نتائج حاسمة. ولم تكتف بعض الفصائل بالحفاظ على قوتها العسكرية، بل دخلت العملية السياسية وحصلت على مواقع ومكاسب داخل مؤسسات الدولة، مع تمسكها في الوقت نفسه بعنوان "المقاومة".

واليوم، توحي التحركات الحكومية بأن بغداد تريد تغيير قواعد التعامل مع الملف. فقد شهدت المؤسسة الأمنية تغييرات في مواقع قيادية حساسة، بالتوازي مع تصاعد دور جهاز مكافحة الإرهاب وتكليف بعض قادته بمناصب مهمة، من بينها قيادة عمليات بغداد.

كما أثار إلغاء قيادة العمليات المشتركة وإعادة تنظيم مهامها ضمن مكتب القائد العام للقوات المسلحة قراءات تتحدث عن محاولة لإعادة ضبط مراكز القرار الأمني، ولا سيما أن القيادة كانت تضم ممثلين عن هيئة الحشد الشعبي وقادة تربط بعضهم علاقات مباشرة بفصائل مسلحة.

وتتداول أوساط سياسية معلومات، لم تعلنها الحكومة رسمياً، عن احتمال تنفيذ تحركات أمنية في مناطق ذات نفوذ فصائلي، من بينها جرف الصخر في محافظة بابل. ويزيد هذا الحديث المخاوف من احتكاك قد يتطور إلى مواجهة، إذا انتقلت الحكومة من الضغط السياسي إلى فرض قراراتها ميدانياً.

يقول المحلل السياسي غازي فيصل لـ "روج نيوز" إن "جوهر المشكلة لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بطبيعة الدولة العراقية ومدى قدرتها على احتكار أدوات القوة وامتلاك قرار الحرب والسلم".

ويضيف أن الدولة لا يمكن أن تسمح لتنظيم سياسي أو عسكري بالتحول إلى قوة تتجاوز مؤسساتها ودستورها، محذراً من أن انتهاء المهلة من دون التزام بعض الفصائل بقرارات حصر السلاح قد يدفع بغداد إلى مواجهة قانونية وسياسية وأمنية معها.

ويتابع أن "وجود تشكيلات مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً عن الحكومة والقوات المسلحة يعني عملياً وجود سلطة موازية"، مبيناً أن أي تنظيم يمارس نشاطاً مسلحاً خارج القانون يصبح خاضعاً للتشريعات العراقية النافذة.

ويرى فيصل أن القاعدة الأساسية في الدولة الحديثة تقوم على خضوع جميع القوات والتشكيلات المسلحة للسلطة الدستورية، وانفراد الدولة بقرار استخدام القوة والحرب والسلام.

وبحسب فيصل، لا تقتصر تداعيات استمرار السلاح خارج سلطة الحكومة على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة الخارجية، إذ يضعف هذا الواقع مؤسسات الدولة ويعرقل بناء علاقات متوازنة مع المحيط العربي والإقليمي والدولي.

لكن السؤال الأصعب، وفق فيصل، يتعلق بقدرة الحكومة على خوض هذه المواجهة من دون إحداث انقسام داخل البيت السياسي الشيعي، ولا سيما في الإطار التنسيقي.

ويقول إن بعض الفصائل لا تنظر إلى نفسها بوصفها تشكيلات عسكرية فحسب، بل تمتلك مشاريع سياسية وأمنية واقتصادية، ما يجعل التعامل معها بالقوة وحدها خياراً محفوفاً بالمخاطر.

ويؤكد أن نجاح الحكومة يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وغطاءً دستورياً وقانونياً، فضلاً عن التمييز بين الفصائل التي تقبل الاندماج في مؤسسات الدولة والتنظيمات التي تصر على الاحتفاظ بقرار عسكري مستقل.

في المقابل، بدأت أصوات سياسية مقربة من الفصائل تحذر من اللجوء إلى القوة.

وقال رئيس المكتب السياسي لمنظمة بدر، محمد ناجي محمد، في بيان، إن ما تردد عن التلويح بفرض القوة، "إن صح، يمثل تجاوزاً كبيراً"، محذراً من أن التعامل بهذه الطريقة مع فصائل "المقاومة" قد يفتح الباب أمام فتنة داخلية.

وأضاف أن رئيس الوزراء اندفع سريعاً نحو ملف السلاح وكرره في معظم تصريحاته، معرباً عن خشيته من أن تكون هذه الخطوات استجابة للضغط الأميركي قبل اكتمال الانسحاب.

وتكشف هذه اللهجة حجم الحساسية التي تحيط بالملف؛ فالحكومة تحاول تثبيت مبدأ حصر السلاح، في حين تتعامل بعض الفصائل مع سلاحها باعتباره مرتبطاً بوجود القوات الأجنبية والصراعات الإقليمية، وليس ملفاً عراقياً داخلياً فقط.

وكان ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم القوى السياسية الرئيسية، قد أكد خلال اجتماعه في الخامس من آب ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وعدّ الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج المؤسسات الرسمية "خارجة عن القانون ويجب محاربتها".

وأعقب ذلك رفع مستوى جاهزية القوات الأمنية والعسكرية، وإلغاء إجازات عدد من القادة والآمرين، إلى جانب تنفيذ تحركات وتدريبات ميدانية تحسباً لأي طارئ أو احتكاك أمني محتمل.

عبدالله الكناني

من جانبه، يقول المحلل السياسي عبد الله الكناني لـ "روج نيوز" إن القوى السياسية تعلن اتفاقها على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وإن مسؤولية تنفيذ هذا القرار تقع على القائد العام للقوات المسلحة.

ويشير إلى أن اجتماعي ائتلاف إدارة الدولة والإطار التنسيقي أظهرا توجهاً للمضي في معالجة الملف وفق جدول زمني يتزامن مع خروج القوات الأميركية.

ويضع الكناني ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة.

يتمثل السيناريو الأول في التزام جميع الفصائل بالقرار والتحول نحو دولة موحدة لا يوجد فيها سلاح خارج سلطة الحكومة.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تسليم السلاح على مراحل، فصيلاً بعد آخر، وفق خطة تفاوضية تتولى الجهات الحكومية والأمنية إعدادها وتنفيذها، مع تقديم ضمانات سياسية وقانونية للفصائل المنخرطة في العملية.

ويتمثل السيناريو الثالث، وهو الأخطر، في رفض بعض الفصائل الخضوع للقرار، ما قد يقود إلى إشكالات أمنية أو صدامات محدودة، وربما مواجهة أوسع إذا فشلت الوساطات السياسية.

ويرى الكناني أن المسار لن يتحدد وفق التطورات العراقية وحدها، بل سيتأثر أيضاً بمستقبل العلاقات والاتفاقات بين إيران والولايات المتحدة.

ويضيف أن الفصائل قد تتجه إلى تسليم سلاحها وتجنب المواجهة، مع احتمال وقوع حالات استثنائية يمكن احتواؤها من خلال تفاهمات وضمانات تقدمها الدولة.

ويلفت إلى أن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد ومباحثاته مع الفصائل وقادة الإطار التنسيقي، تضمنت إشارات مرتبطة بملف حصر السلاح.

وبحسب الكناني، أبلغت أطراف عراقية قاآني أن بغداد تريد بناء دولة ذات سيادة، وأن الوضع لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه، بعيداً عن مصالح واشنطن وطهران.

لكن تصريحات تصدر عن داخل الفصائل تعكس موقفاً أكثر تشدداً.

فقد أكد قيادي في "كتائب سيد الشهداء" لـ "روج نيوز"، قبل يومين، أن "سلاح المقاومة خط أحمر، ولن يُسلّم بهذه السهولة"، رافضاً أن يتم التعامل مع الملف استجابة لما وصفه بالرغبات الأميركية.

وعندما سُئل عما إذا كان هذا الموقف قد يدفع الحكومة إلى صدام مع الرافضين لتسليم السلاح، اختصر القيادي إجابته بعبارة لافتة: "نمضي لكسب الوقت".

وتكشف العبارة جانباً من طبيعة المواجهة المقبلة؛ فالحكومة تتحرك تحت ضغط الموعد السياسي، بينما تراهن الفصائل على الوقت وتغير المعادلات الإقليمية. وبين المسارين، تبقى فرص التسوية قائمة، لكن احتمالات الاحتكاك تزداد كلما اقترب 30 أيلول من دون اتفاق واضح.

ولن يتوقف نجاح بغداد على قدرتها العسكرية وحدها، بل على امتلاكها قراراً سياسياً موحداً وخطة قانونية تضمن تنفيذ حصر السلاح من دون دفع البلاد إلى اقتتال داخلي.

أما إذا انتهت المهلة وبقي كل طرف متمسكاً بموقفه، فقد يتحول ملف السلاح من اختبار لهيبة الدولة إلى أخطر مواجهة داخلية يشهدها العراق منذ سنوات.