توصل فريق من الباحثين إلى أدلة جديدة تشير إلى أن إنسان نياندرتال عاش في شمال شبه الجزيرة العربية قبل نحو 60 إلى 50 ألف سنة، في منطقة كانت تمثل خلال العصر الجليدي حلقة وصل جغرافية بين أفريقيا وأوروبا وآسيا.
وجاءت النتائج بعد دراسة أدوات حجرية عُثر عليها في موقع «جبل كتيفة-1» (JKF-1) في صحراء النفود شمال السعودية، بالقرب من بحيرة قديمة اندثرت منذ آلاف السنين. واعتبر الباحثون أن هذه الأدوات تقدم مؤشراً مهماً على وجود مجموعات من إنسان نياندرتال في المنطقة، رغم عدم العثور حتى الآن على بقايا عظمية مباشرة لهم في شبه الجزيرة العربية.
https://twitter.com/LiveScience/status/2089753188304126046وتكتسب الدراسة أهمية خاصة نظراً إلى أن الأدلة الأحفورية على وجود النياندرتال في شبه الجزيرة العربية نادرة للغاية، الأمر الذي جعل الأدوات الحجرية أحد أهم المصادر المتاحة للباحثين لتحديد طبيعة الجماعات البشرية التي عاشت في المنطقة خلال تلك الحقبة.
ولحسم الجدل بشأن هوية صانعي الأدوات، استخدم فريق البحث نموذجاً إحصائياً متقدماً استند إلى قاعدة بيانات تضم 704 رقائق حجرية كاملة من مناطق مختلفة في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، يعود تاريخها إلى ما بين 100 ألف و50 ألف سنة.
وأظهر النموذج قدرة على التمييز بين الأدوات المرتبطة بالإنسان العاقل وتلك المرتبطة بالنياندرتال بدقة تجاوزت 93%. وعند تطبيقه على أدوات موقع «جبل كتيفة-1»، رجحت النتائج ارتباطها بالنياندرتال، بمتوسط احتمال بلغ نحو 78%، في حين أظهرت أربع قطع فقط احتمالاً أعلى لارتباطها بالإنسان العاقل.
ولتعزيز النتائج، أعاد الباحثون تحديد عمر الرواسب في الموقع باستخدام تقنية التأريخ بالتألق، التي تعتمد على قياس المدة التي مرت منذ تعرض حبيبات الرواسب لضوء الشمس. وأظهرت النتائج أن الموقع يعود إلى فترة تراوح بين 60 ألفاً و50 ألف سنة، وهي مرحلة تتزامن مع توسع النياندرتال جنوباً نحو بلاد الشام ومنطقة زاغروس.
وتحمل هذه النتيجة أهمية جغرافية خاصة بالنسبة إلى منطقة كردستان، إذ إن جبال زاغروس تمتد عبر غرب إيران وشمال العراق وأجزاء من جنوب شرق تركيا، وتشكل جغرافياً امتداداً طبيعياً للمنطقة التي تحركت عبرها مجموعات النياندرتال نحو الجنوب. ويضع ذلك كردستان وبلاد الرافدين ضمن نطاق جغرافي أوسع لفهم تحركات البشر القدماء بين غرب آسيا وشبه الجزيرة العربية.
كما تعيد الدراسة النظر في الصورة التقليدية للنياندرتال باعتباره إنساناً ارتبط بصورة أساسية بالمناخات الباردة في أوروبا. فوجود مؤشرات على وصوله إلى البيئات الأكثر دفئاً في شمال الجزيرة العربية يكشف قدرة أكبر على التكيف مع الظروف البيئية المتنوعة، ويشير إلى أن نطاق انتشاره كان أوسع مما كان معروفاً سابقاً.
ويرى الباحثون أن شبه الجزيرة العربية ربما لم تكن مجرد منطقة عبور، بل مثلت مساحة للتقاء مجموعات بشرية مختلفة، وربما مساراً لحركة الإنسان العاقل والنياندرتال وتفاعلهما، في سياق تاريخ بشري أكثر تعقيداً مما تظهره الأدلة الأحفورية المتاحة.
وتشير الدراسة المنشورة في مجلة Quaternary Science Reviews إلى أن التحليل الكمي للأدوات الحجرية يمكن أن يوفر أدلة مهمة حول حركة الجماعات البشرية القديمة وسلوكها، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى البقايا العظمية والمواد الوراثية.
وبذلك تفتح نتائج «جبل كتيفة-1» نافذة جديدة على تاريخ المنطقة، وتدعم أهمية بلاد الرافدين وزاغروس وكردستان بوصفها جزءاً من شبكة جغرافية واسعة شهدت تحركات وتفاعلات بشرية خلال عصور ما قبل التاريخ.
