https://rojnews.news/ar/?p=282603

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنسبة إلى حكومة علي الزيدي التي تضع تحسين العلاقات مع دول الجوار ضمن أولوياتها غير أن إلغاء زيارة رئيس الوزراء إلى السعودية عقب الغارات الأخيرة ألقى بظلاله على مسار تلك العلاقات ودفع متخصصين في الشأن السياسي إلى المطالبة باحتواء التصعيد وتحديد موعد جديد للزيارة.

ويرى المتخصصون أن عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي مرهونة بقدرة الزيدي على ضبط الوضع الداخلي وتقديم ضمانات حقيقية بعدم استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار، محذرين من أن استمرار الهجمات قد يدفع الدول المتضررة إلى الرد داخل العراق.

وتتعرض علاقات العراق بمحيطه الإقليمي، منذ سنوات لحالة من الشد والجذب بسبب نشاط الفصائل المسلحة التي تبنت في مناسبات سابقة عمليات خارج الحدود ووجهت تهديدات علنية إلى دول في المنطقة، ما وضع بغداد في موقف حرج بين سعيها إلى تطوير علاقاتها الخارجية واستقطاب الاستثمارات ومحاولاتها السيطرة على الفصائل والحد من نفوذها.

وكان الزيدي قد ألغى زيارته المقررة إلى السعودية الأسبوع الماضي، عقب ضربات سعودية وأميركية مشتركة استهدفت مقار للفصائل المسلحة في العراق وأسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، بينهم قيادات إيرانية كانت موجودة داخل تلك المقار.

مرحلة قلقة وغياب للثقة

يقول المحلل السياسي رمضان البدران، في تصريح لـ"روج نيوز"، إن "علاقة العراق بدول الجوار تمر بمرحلة معقدة جداً، خصوصاً مع وجود قوى داخلية اختارت الاصطفاف إلى جانب إيران ودعمها بشتى الأساليب والوسائل، بما فيها التلويح باستخدام الأراضي العراقية لمساندة الموقف الإيراني".

ويضيف أن "تصريحات بعض الفصائل أثرت في ثقة دول المنطقة بقدرة العراق على ضبط أراضيه وأجوائه والجماعات المسلحة الموجودة داخله".

ويرى البدران أن "زيارة رئيس الوزراء إلى دول الجوار، وخصوصاً الدول العربية، مطلوبة لطمأنتها ووضع خطط مستقبلية لإدارة العلاقات وتنظيمها بما يحقق المصالح المشتركة، مشيراً إلى أن زيارتي الزيدي إلى تركيا وإيران كانتا خطوتين صحيحتين في هذا الاتجاه."

ويتابع أن "السعودية من أهم الدول العربية المؤثرة في العراق والمنطقة، ولذلك فإن زيارة الزيدي والتنسيق مع قيادتها أمران مطلوبان، لكن رئيس الوزراء يجب أن يكون صاحب قرار وقادراً على ضمان السيطرة على الوضع الداخلي، لكي تتمكن الدول من التفاهم معه على أسس من الثقة".

ويؤكد أن "أي اعتداء ينطلق من العراق باتجاه دول الجوار يهز الثقة بقدرة الحكومة على ضبط الأوضاع، ويضعف استعداد الدول للتعامل مع حكومة لا تسيطر بصورة كاملة على وضعها الأمني الداخلي".

ويشير إلى أن "المرحلة الحالية قلقة جداً، والدول العربية مستاءة من حالة الانفلات في العراق، وقد يساعد التحرك الدبلوماسي الحكومة على توضيح واقعها، لكن فشل الضغوط والإجراءات واستمرار التجاوزات قد يدفع تلك الدول إلى استهداف مواقع التهديد والخطر داخل العراق، وما شهدناه من ضربات سعودية يمثل مؤشراً على ذلك".

ويعتقد البدران أن "الزيدي سيحتاج إلى زيارة السعودية في مرحلة لاحقة، وأن الرياض بدورها تحتاج إلى هذه الزيارة، لكن الطرفين مطالبان بتهيئة الظروف السياسية والأمنية التي تجعلها منتجة وفاعلة، بدلاً من اقتصارها على الجانب البروتوكولي في وقت تحتاج فيه جميع الأطراف إلى إجراءات ملموسة على الأرض".

وأدانت الحكومة العراقية الضربات ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة، مؤكدة في الوقت نفسه العمل على وضع خطة أمنية تمنع استخدام الأراضي العراقية لتهديد دول الجوار، والمضي في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة.

وتتهم الولايات المتحدة ودول خليجية بعض الفصائل العراقية بالعمل ضمن شبكة النفوذ الإيراني، في حين تؤكد الفصائل أنها جزء من المنظومة الأمنية العراقية، وأن سلاحها مرتبط بمواجهة التهديدات الخارجية.

وكان الزيدي قد وجّه، قبل يومين، بمنع أي تجاوز أو تهديد ينطلق من الأراضي العراقية تجاه دول الجوار، معلناً تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمواجهة التحديات، ووضع آليات رادعة تحول دون تكرار مثل هذه الحالات أو وقوع خروقات محتملة.

كما أبلغ الأردن وسوريا الحكومة العراقية برصد تحركات لفصائل مسلحة قرب الحدود، محذرين من أن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية "لن يمر من دون رد"، وفق ما نقلته قناة "العربية" السعودية عن مصادر رسمية أردنية وعراقية.

وبالتوازي مع ذلك، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، السبت، أن الحرس الثوري الإيراني أجرى خلال الفترة الأخيرة اتصالات مع قيادات في فصائل عراقية مسلحة وحزب الله والحوثيين، لبحث آليات توسيع نطاق العمليات في حال اندلاع مواجهة أوسع في المنطقة.

إعادة بناء المؤسسة الأمنية

من جانبه، يؤكد المحلل السياسي نزار حيدر، في تصريح لـ"روج نيوز"، أن "أي تصعيد عسكري سيضر بصورة كبيرة بمشروع الدولة الذي تبناه رئيس الوزراء علي الزيدي في برنامجه الحكومي، والقائم على بناء شراكات اقتصادية ومالية وتجارية واستثمارية حقيقية بين العراق والولايات المتحدة وحلفائها، ومن بينهم الأوروبيون ودول المنطقة".

ويوضح أن "العراق لا يستطيع النهوض استثمارياً من دون مساعدة شركاء حقيقيين وأقوياء في العالم والمنطقة، وهو ما تحدث عنه الزيدي خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة".

ويضيف أن "استهداف دول خليجية انطلاقاً من الأراضي العراقية، من دون تمكن الحكومة من إيقاف تلك العمليات، سيضر بسمعة البلاد ويهز الثقة بقدرة حكومة الزيدي على ضبط الأوضاع، وتحديداً في الجانبين الأمني والعسكري".

وبحسب حيدر فإن "إقامة شراكات حقيقية تتطلب تحقيق نتائج ملموسة في ملفي حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد، وهما من أبرز الملفات التي تعهد الزيدي بمعالجتها".

ويرى أن "الهجمات الأخيرة أثبتت عدم إحراز تقدم كافٍ في ملف حصر السلاح، رغم أن الدستور العراقي يمنع استخدام البلاد منطلقاً للعدوان على أي دولة في المنطقة، معتبراً أن عجز الحكومة عن تطبيق هذا المبدأ يمثل إخلالاً بالتزاماتها الدستورية وتجاه دول الجوار".

ويطالب حيدر "رئيس الوزراء بإعادة النظر في تشكيل الأجهزة الأمنية واختيار رؤساء الهيئات والمستشارين، من أجل بناء جهاز أمني يمكن الاعتماد عليه، ويلتزم بقرارات القائد العام للقوات المسلحة بعيداً عن تأثير الأحزاب والزعامات والكتل السياسية".

ويقول إن "العراق يقف اليوم على مفترق طرق؛ فإما أن يثبت الزيدي قدرته على مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، أو تبقى الشراكات الحقيقية مع دول العالم بعيدة المنال، لأن الدول لن تضع رؤوس أموالها في صندوق الاستثمار الذي أعلنه الزيدي قبل أن تتأكد من أن تلك الأموال ستدار بأيدٍ أمينة وتوظف في مشاريع آمنة".

وكانت الحكومة العراقية قد وضعت ملف حصر السلاح ضمن أولوياتها، وحددت نهاية أيلول 2026 موعداً لاستكمال خطوات تنظيم السلاح خارج المؤسسات الرسمية.

وترى قوى سياسية أن نجاح هذا الملف يمثل بوابة لإعادة بناء مفهوم الدولة، فيما تحذر أطراف أخرى من تحوله إلى مواجهة داخلية إذا لم يُدَر عبر توافق سياسي واسع.

وعقب الضربات، أعلنت فصائل مسلحة منضوية ضمن ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" أن ردها "قادم لا محالة"، ومنحت الحكومة مهلة حتى السادس من آب لإثبات قدرتها على حماية السيادة العراقية.

ونفت الفصائل مسؤوليتها عن استهداف السعودية ومنشآتها، لكنها لوّحت في الوقت نفسه بإمكانية استهداف مصالح سعودية إذا تطلبت الظروف ذلك.

فرصة للدبلوماسية

بدوره، يرى المحلل السياسي مجاشع التميمي، في تصريح لـ"روج نيوز"، أن "المعطيات السياسية والأمنية تشير إلى أن إلغاء موعد زيارة الزيدي إلى السعودية يمثل إجراءً تكتيكياً فرضته التوترات الأمنية والأحداث المتسارعة، وأن الزيارة ما تزال قائمة لكنها مؤجلة إلى حين تهيئة الظروف المناسبة".

ويوضح أن "الزيارة المرتقبة يمكن أن تشكل ركيزة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني بين بغداد والرياض".

ويستبعد التميمي "اتجاه علاقات العراق بمحيطه العربي ودول الخليج نحو التأزم أو القطيعة، نظراً إلى حرص الأطراف المعنية على مواصلة المسار الدبلوماسي والتهدئة، مؤكداً أن استقرار المنطقة يتطلب الاستمرار في بناء شراكات متوازنة وتغليب خيار الاستقرار واحترام سيادة الدول".

وتأتي هذه التطورات قبل الموعد المحدد لاستكمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق في نهاية أيلول 2026، وهو ملف تسعى بغداد إلى إنجازه لتأكيد استقلال قرارها الأمني.

غير أن استمرار الهجمات على القوات الأميركية أو مصالح حلفائها قد يمنح واشنطن مبررات للإبقاء على وجودها العسكري، بحسب خبراء أمنيين.