هذه السرعة في انتقاله من شخصية بعيدة عن صراع المناصب إلى رئيس للوزراء تفتح بابا واسعا للتساؤلات. فكيف ظهر اسمه في اللحظة الأخيرة؟ ومن الذي دفع باتجاه ترشيحه؟ وهل كان اختياره نتيجة توافق داخلي خالص، أم أن هناك تفاهمات إقليمية ودولية ساهمت في وصوله؟
وتزداد علامات الاستفهام مع الحديث عن قبول الولايات المتحدة بهذا الترشيح، رغم أن العلاقة بين واشنطن ورؤساء الحكومات العراقية لطالما كانت عاملا مؤثرا في المشهد السياسي. فهل جاء هذا القبول لكون الزيدي شخصية مستقلة نسبيا وقادرة على تحقيق توازن بين الأطراف؟ أم أن هناك تفاهمات لم تتضح تفاصيلها حتى الآن؟ أم أن واشنطن رأت فيه شخصية تستطيع إدارة المرحلة الحالية بما ينسجم مع مصالحها في العراق؟ جميعها أسئلة تبقى مطروحة في ظل غياب أي توضيحات رسمية تكشف حقيقة ما جرى خلف الكواليس.
لكن ما يثير الاهتمام أكثر من طريقة وصوله، هو ما فعله بعد وصوله. فعلى الرغم من أن حكومته لم تكتمل بعد، وما تزال عدة وزارات شاغرة، فإن الزيدي لم يبدأ بملفات خدمية أو اقتصادية كما كان متوقعا من رجل قادم من خلفية اقتصادية، بل اختار الدخول مباشرة إلى أكثر الملفات تعقيدا وحساسية، وهي ملفات ظلت لسنوات طويلة تمثل خطوطا حمراء أمام جميع الحكومات السابقة.
وفي مقدمة تلك الملفات، جاء ملف حصر السلاح بيد الدولة، وهو الملف الذي طالما تعهدت به الحكومات العراقية المتعاقبة، لكنه بقي من أصعب الملفات بسبب تشابك المصالح السياسية والأمنية، وارتباطه بفصائل وقوى تمتلك نفوذا واسعا داخل المشهد العراقي.
وهنا يبرز تساؤل لا يمكن تجاهله: هل يمتلك رئيس وزراء حديث العهد بالسياسة القدرة فعلًا على حسم ملف عجز عنه سياسيون أمضوا عشرات السنين في إدارة الدولة؟ أم أن ما يجري هو بداية مواجهة ستكشف الأيام المقبلة حدودها الحقيقية؟
ولم يتوقف الأمر عند ملف السلاح، بل شهدت الأيام الماضية تنفيذ عملية "صولة الفجر"، إلى جانب دخول قوات مكافحة الإرهاب إلى المنطقة الخضراء وتنفيذ أوامر قبض بحق عدد من السياسيين المتهمين بقضايا فساد، قبل أن يخرج الزيدي في مؤتمر صحفي معلنا أن لا أحد سيكون فوق القانون، وأن ملاحقة الفاسدين ستستمر مهما كانت مناصبهم أو انتماءاتهم.
وهنا تتولد علامات استفهام جديدة. فهل نحن أمام أول رئيس وزراء يقرر فتح ملفات الفساد دون النظر إلى الانتماءات السياسية؟ أم أن هذه الإجراءات ستتوقف عند حدود أسماء معينة، بينما تبقى ملفات أخرى بعيدة عن المساءلة؟
العراق ليس بلدا يفتقر إلى الشعارات، بل ربما يكون من أكثر الدول التي شهدت وعودا بالإصلاح ومحاربة الفساد. فمنذ عام 2003، لم تخل حكومة من الحديث عن استعادة هيبة الدولة، وبناء المؤسسات، وإنهاء الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة. لكن النتيجة كانت أن هذه الملفات بقيت تراوح مكانها، بينما ازدادت تعقيدا عاما بعد آخر.
لذلك، فإن ما يميز تجربة علي الزيدي حتى الآن ليس التصريحات، وإنما دخوله المباشر إلى ملفات كان كثير من السياسيين يتجنبون الاقتراب منها، إدراكا لحجم التعقيدات التي تحيط بها. إلا أن الجرأة وحدها لا تكفي، لأن اتخاذ القرار شيء، والقدرة على الاستمرار في تنفيذه شيء آخر تمامًا.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الزيدي مشروعا متكاملا لإعادة بناء هيبة الدولة، أم أن هذه التحركات تمثل مرحلة أولى هدفها كسب ثقة الشارع وإرسال رسائل سياسية إلى الداخل والخارج؟
كما أن هناك تساؤلا آخر يفرض نفسه بقوة، إذا كان الزيدي لا يمتلك تاريخا سياسيا طويلا ولا قاعدة حزبية كبيرة، فمن أين يستمد هذه القوة في اتخاذ قرارات تمس شخصيات وقوى نافذة؟ وهل يتحرك بغطاء سياسي واسع يمنحه حرية الحركة، أم أن نجاح خطواته الأولى سيحدد حجم الدعم الذي سيحصل عليه لاحقًا؟
قد يكون من المبكر الحديث عن نجاح أو فشل هذه التجربة، لكن من المبكر أيضا التقليل من أهمية ما يحدث. فالعراق يقف أمام مشهد مختلف عن البدايات التقليدية للحكومات السابقة، ورئيس وزراء لم يمضِ وقت طويل على تسلمه المنصب، لكنه اختار أن يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع أكثر الملفات حساسية.
وفي النهاية، لا يزال الوقت وحده قادرا على الإجابة عن السؤال الذي يشغل الشارع العراقي هل يمثل علي الزيدي بداية مرحلة حقيقية لاستعادة الدولة وهيبتها، أم أن ما يجري ليس سوى بداية قوية ستتراجع عندما تصطدم بجدار التوازنات السياسية والنفوذ الحزبي؟
ففي السياسة العراقية، كثيرا ما كانت البدايات واعدة، لكن التاريخ أثبت أن الامتحان الحقيقي لا يبدأ مع أول قرار، بل مع القدرة على الاستمرار في تنفيذه حتى النهاية.
