إعداد المحرر السياسي

قد تتجه منطقة الشرق الأوسط إلى مسار جديد من التحولات العسكرية والأمنية في أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما خلّفته من تداعيات على المنطقة وتزامناً مع ذلك، تتسارع مؤشرات إعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي، بعدما افتتحت مصر مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المعروف بـ"الأوكتاغون"، فيما تتمسك السعودية بحقها في امتلاك دورة نووية متكاملة تشمل تخصيب اليورانيوم، عقب إفادة مصادر ووثائق اطلعت عليها شبكة CNN بأن الإدارة الأميركية وافقت مبدئياً على السماح للمملكة بتخصيب اليورانيوم دون تفعيل الضمانات الدولية الهادفة إلى منع تطوير الأسلحة النووية. وفي الوقت نفسه، يعزز الأردن قدراته الدفاعية وتعاونه العسكري مع الولايات المتحدة، بينما تتجه دول خليجية إلى توسيع شراكاتها الأمنية بعد أن كشفت الحرب حجم التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تواجه المنطقة.

وتعيد هذه التحركات طرح مشروع قديم بصيغة جديدة قد تعيد ولادة تحالف دفاعي عربي شبيه بحلف شمال الأطلسي، وما أن تباين المصالح والحسابات السياسية سيبقي التعاون العسكري في حدود الاتفاقيات الثنائية والتنسيق المؤقت؟

وافتتحت مصر في الرابع من تموز 2026 مقر القيادة الاستراتيجية للدولة في العاصمة الإدارية الجديدة، المعروف باسم "الأوكتاغون" وهو مجمع عسكري وإداري ضخم يمتد على مساحة تقارب 22 ألف فدان ويضم منظومات للقيادة والسيطرة والاتصالات وإدارة العمليات العسكرية. ويُعد المنشأة مقرًا استراتيجيًا للقيادة، وليس قاعدة عسكرية ميدانية بالمعنى التقليدي.

ما تريده القاهرة إدارة التهديدات على جبهات متعددة، تمتد من البحر الأحمر والحدود مع السودان وليبيا وصولًا إلى شرق المتوسط. كما عززت حضورها العسكري قرب حدود السودان وسط تقارير عن نشر طائرات مسيّرة متطورة في منطقة شرق العوينات في مؤشر إلى توسع مفهوم الأمن القومي المصري خارج حدوده المباشرة.

ومن شأن امتلاك مصر مركز قيادة متكامل بهذا الحجم أن يجعلها مرشحة للاضطلاع بدور محوري في أي منظومة دفاعية عربية محتملة بالنظر إلى حجم قواتها المسلحة، وموقعها الجغرافي وسيطرتها على قناة السويس فضلًا عن علاقاتها العسكرية مع دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا.

لكن وجود مركز قيادة متطور لا يعني بالضرورة أن القاهرة تستعد لقيادة "ناتو عربي"، إذ لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي يربط "الأوكتاغون" بمشروع تحالف عسكري إقليمي ومن ثم يبقى الربط بينهما قراءة سياسية تستند إلى طبيعة التحولات الجارية، وليس إلى اتفاق معلن.

بالمقابل، تسعى السعودية إلى الانتقال من دولة مستوردة للتكنولوجيا النووية إلى دولة تمتلك أجزاءً أساسية من دورة الوقود النووي.

 وكانت الرياض قد أعلنت خططًا للاستفادة من احتياطاتها المحلية وإنتاج الكعكة الصفراء واليورانيوم منخفض التخصيب مع توجه إلى تخصيب اليورانيوم وبيعه مستقبلًا إلا أن المملكة لم تعلن حتى الآن تشغيل منشأة تخصيب فعلية ولا تزال هذه المسألة جزءًا من مفاوضاتها واتفاقياتها النووية مع الولايات المتحدة.

وتؤكد تقارير متخصصة أن الاتفاق النووي الجاري بحثه بين واشنطن والرياض قد يفتح المجال أمام شكل من أشكال التخصيب داخل السعودية، لكن تفاصيل الرقابة والضمانات وشروط نقل التكنولوجيا لا تزال موضع نقاش، خصوصًا في ظل المخاوف الدولية من الانتشار النووي.

وبالنسبة إلى الرياض، لا يرتبط البرنامج النووي بإنتاج الكهرباء وتنويع مصادر الطاقة فحسب، إذ  يعكس أيضًا رغبتها في تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي وعدم البقاء تحت رحمة الموردين الخارجيين للوقود النووي والتكنولوجيا الحساسة.

غير أن إدراج الملف النووي السعودي ضمن فكرة "الناتو العربي" يحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالتحالفات الدفاعية تقوم أساسًا على القيادة المشتركة والتزامات الدفاع المتبادل بينما يمثل البرنامج النووي السعودي مشروعًا وطنيًا للطاقة والسيادة التقنية. لكنه، في الوقت نفسه، يضيف عنصرًا استراتيجيًا جديدًا إلى موازين القوة الإقليمية.

في الجهة الأخرى، يمثل الأردن ضلعًا مختلفًا في المشهد، إذ لا يمتلك الموارد المالية الخليجية أو الحجم العسكري المصري، لكنه يحظى بموقع جغرافي شديد الحساسية بين العراق وسوريا والسعودية وإسرائيل والأراضي الفلسطينية.

وخلال التصعيد الإقليمي، تصدت الدفاعات الجوية الأردنية لصواريخ وطائرات مسيّرة اخترقت أجواء المملكة، وأعلنت القوات المسلحة الأردنية في تموز 2026 إسقاط صواريخ قادمة من الأراضي الإيرانية.

كما توسع عمّان تعاونها الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وقد وشهد شباط 2026 إطلاق أول حوار أمني ودفاعي بين الأردن والاتحاد الأوروبي، تناول التعاون في ملفات الأمن والدفاع ومواجهة التهديدات المشتركة.

ويمنح هذا الموقع الأردن دورًا محتملًا بوصفه مركز إنذار مبكر ودفاع جوي وربط لوجستي بين دول الخليج ومصر والمشرق، بدلًا من أن يكون قائدًا مباشرًا لأي تحالف.

إلا أن هذا الدور يضع عمّان أمام معادلة صعبة إذ تحاول حماية مجالها الجوي وأراضيها دون التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة أو الظهور كطرف في الصراع مع إيران.

وبالسياق، أظهرت الأزمات الأخيرة أن دول الخليج رغم إنفاقها الكبير على التسلح، ما تزال تواجه تحديات في دمج منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة ضمن شبكة واحدة.

وقد اتجهت الإمارات وقطر والبحرين والكويت إلى تعزيز علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي ضمن مبادرة إسطنبول للتعاون، وشاركت الدول الأربع في اتصالات وشراكات موسعة مع الحلف. كما دعيت إلى قمة الناتو في أنقرة في تموز 2026، في رسالة تعكس تزايد أهمية أمن الخليج لدى الحلف.

وفي الوقت نفسه، بدأت دول الخليج تنويع شراكاتها الدفاعية مع تركيا ودول أوروبية وكوريا الجنوبية وباكستان، لكن الحرب أثبتت استمرار الحاجة إلى القدرات الأميركية في مجالات الدفاع الصاروخي والاستطلاع والإنذار المبكر والقيادة الجوية.

ولا تتبنى دول الخليج موقفًا موحدًا بالكامل تجاه فكرة تحالف عسكري عربي. فالسعودية والبحرين تبدوان أكثر استعدادًا للتعاون الدفاعي الوثيق في مواجهة التهديدات الإيرانية، فيما تحافظ قطر وعُمان على مساحة أوسع للعلاقات والتفاوض مع طهران، بينما توازن الإمارات بين الردع العسكري والعلاقات الاقتصادية.

ففي حال تشكلت منظومة أمنية عربية جديدة، فمن المرجح ألا تبدأ بصيغة مماثلة لحلف الناتو، بل من خلال مهام محددة، في مقدمتها إنشاء شبكة موحدة للإنذار المبكر والدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقد تشمل أهدافها حماية الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز، وتأمين المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء والمياه، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومراقبة الحدود، ومواجهة التنظيمات المسلحة والهجمات الإلكترونية.

كما يمكن أن تتولى مصر جانب القيادة والتخطيط، وتوفر دول الخليج التمويل والتكنولوجيا، بينما يؤدي الأردن دور الربط الجغرافي والإنذار المبكر، مع استمرار الاعتماد على المظلة الأميركية في القدرات التي لا تمتلكها الجيوش العربية بصورة مستقلة.

لكن الوصول إلى مرحلة الدفاع المشترك، التي تعني اعتبار الاعتداء على دولة عربية اعتداءً على جميع الدول، لا يزال بعيدًا بسبب اختلاف تعريف مصادر التهديد وتباين العلاقات مع إيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة.

موقع العراق من ذلك

سيكون العراق من أكثر الدول تأثرًا بأي تحالف أمني عربي لكنه في الوقت نفسه من أصعب المرشحين للانضمام إليه.

فموقع العراق يجعله حلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران، كما أن أجواءه وحدوده تمثل مسارًا مهمًا للصواريخ والطائرات المسيّرة في أي مواجهة إقليمية. إلا أن نفوذ القوى المسلحة المرتبطة بإيران، وحساسية العلاقات بين بغداد وطهران، قد يجعلان مشاركة العراق في تحالف يُنظر إليه على أنه موجه ضد إيران أمرًا شديد التعقيد.

وقد تفضل بغداد المشاركة في ترتيبات محدودة لحماية الأجواء والحدود والملاحة ومكافحة الإرهاب، بدلًا من الدخول في تحالف عسكري قائم على الاصطفاف ضد طرف إقليمي بعينه.