وتضع هذه الاستراتيجية الاقتصاد الإيراني أمام اختبار قاسٍ، إذ تراهن الولايات المتحدة على قطع قنواته الخارجية واستنزاف إيراداته، في مقابل رهان طهران على الإنتاج المحلي والتجارة مع الصين ودول الجوار وخبرتها الطويلة في تجاوز العقوبات.
وتشير قراءة نشرتها مجلة "نيوزويك" إلى أن تشديد العقوبات لا يعني بالضرورة اتجاه إيران نحو تقديم تنازلات سريعة، إذ ما تزال تمتلك قاعدة إنتاج محلية، وعلاقات تجارية مع الصين ودول الجوار، إضافة إلى خبرة طويلة في الالتفاف على القيود الأميركية.
ومنحت هذه العوامل الاقتصاد الإيراني قدرة على امتصاص جانب من الصدمات السابقة، إلا أن وصول الضغوط إلى مستويات غير مسبوقة قد يدفعه نحو مرحلة يصعب على السلطات إدارتها، ويرفع احتمالات التصعيد بدلًا من إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات.
وأعلن ترامب أن المرحلة المقبلة ستشهد ما وصفه بـ"حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق"، مهددًا بفرض عواقب كبيرة على أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم الدعم إلى إيران.
ووصف الرئيس الأميركي الإجراءات المرتقبة بأنها "يوم إنزال اقتصادي"، داعيًا حلفاء واشنطن إلى المشاركة في عزل طهران.
وتشير هذه التهديدات إلى انتقال الاستراتيجية الأميركية من استهداف الاقتصاد الإيراني بصورة مباشرة، إلى ملاحقة الأطراف الخارجية التي تساعد طهران على مواصلة تجارتها والوصول إلى النظام المالي والأسواق الدولية.
ويأتي التصعيد مع تراجع فرص استئناف المفاوضات بين الطرفين. وبحسب "نيوزويك"، تختلف الظروف الحالية عن عام 2015 الذي شهد إبرام الاتفاق النووي، إذ تراجعت رغبة القيادة الإيرانية في العودة إلى المسار الدبلوماسي بعد تعثر المفاوضات خلال الولاية الثانية لترامب، وفشل مذكرة تفاهم وُقعت في حزيران الماضي.
ويرى الصحفي الإيراني أمين مكرمي أن الكلفة السياسية لتقديم تنازلات إلى واشنطن أصبحت مرتفعة بالنسبة إلى القيادة الإيرانية، مرجحًا أن تحاول طهران تحمل الضغوط لأطول مدة ممكنة، ودفع الولايات المتحدة إلى العودة للمفاوضات بشروط مختلفة، تشمل تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة وتقليل القيود.
لكن هذه الحسابات قد تتغير في حال وصلت الأزمة الاقتصادية إلى مستويات حرجة. ووفق مكرمي، فإن ارتفاع التضخم السنوي إلى أكثر من 100%، أو انهيار الريال، أو حدوث نقص في السلع الأساسية، قد يجعل خيار التصعيد العسكري أكثر احتمالًا من تقديم تنازلات واسعة.
ويمتلك الاقتصاد الإيراني أربعة عوامل رئيسة تساعده على الصمود أمام العقوبات المتزايدة.
ويتمثل العامل الأول في وجود قاعدة صناعية وزراعية متنوعة نسبيًا، تتيح إنتاج السيارات والأجهزة المنزلية والملابس والمواد الغذائية والصلب والبتروكيماويات محليًا. وقد تكون جودة بعض هذه المنتجات أقل من البدائل المستوردة، لكنها توفر جزءًا مهمًا من الاحتياجات الأساسية وتقلل اعتماد البلاد الكامل على الواردات.
أما العامل الثاني، فيرتبط بالعلاقات الاقتصادية مع الصين، التي ما تزال من أبرز مشتري النفط الإيراني، إلى جانب دورها في توفير السلع الوسيطة والآلات وقطع الغيار التي تحتاج إليها الصناعات الإيرانية.
ويتمثل العامل الثالث في شبكة التجارة مع دول الجوار، إذ يمنح الموقع الجغرافي لإيران وحدودها البرية والبحرية الواسعة قنوات بديلة لنقل السلع، خصوصًا عبر الأسواق الأقل استجابة للضغوط الأميركية.
ويتمثل العامل الرابع في الخبرة التي راكمتها إيران خلال سنوات العقوبات، عبر تطوير آليات مالية وتجارية تساعدها على استمرار جزء من نشاطها الاقتصادي رغم القيود.
ولم تمنع قدرة إيران على التكيف من تراجع مؤشرات اقتصادية رئيسة، إذ أظهرت بيانات أوردتها "نيوزويك" هبوط مؤشر مديري المشتريات من 46.4 نقطة قبل الحرب إلى 24.9 نقطة في ذروة الصراع، قبل أن يرتفع مجددًا إلى نحو 45.9 نقطة.
وعلى الرغم من التحسن الجزئي، ما يزال المؤشر دون مستوى 50 نقطة، وهو الحد الفاصل بين النمو والانكماش.
كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 32%، ما يزيد صعوبة احتواء التضخم، بالتزامن مع تراجع إنتاج النفط الخام الإيراني بنحو 30%، الأمر الذي يضغط على أحد أهم مصادر الإيرادات الخارجية.
وتواجه المالية الإيرانية ضغوطًا إضافية نتيجة تزامن انخفاض الإيرادات النفطية مع تراجع الحصيلة الضريبية بسبب ضعف أداء الشركات، وهو ما قد يؤدي إلى نقص السيولة وزيادة التضخم.
وانعكست الأزمة على الأسر الإيرانية مع اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار وتراجع مستويات المعيشة، ما دفع شرائح واسعة إلى تركيز إنفاقها على الاحتياجات الأساسية.
وامتدت التداعيات إلى سوق العمل، مع ارتفاع عمليات تسريح العمال وصعوبة الحصول على فرص وظيفية، إضافة إلى تأخر بعض الرواتب وعدم مواكبة الأجور لمعدلات التضخم.
قد لا تكمن المشكلة الأكبر بالنسبة إلى طهران في فرض عقوبات إضافية، وإنما في تشديد تنفيذ القيود القائمة وتعطيل حركة التجارة الفعلية.
ويقول مكرمي إن واشنطن استخدمت معظم أدوات العقوبات الرئيسة المتاحة، لكن استئناف الحصار البحري يمكن أن يرفع الضغط بصورة كبيرة، من خلال تعطيل صادرات النفط والمنتجات البترولية والبتروكيماويات، والتأثير في حركة الواردات.
وحتى إذا وسعت إيران اعتمادها على الطرق البرية، تبقى القدرة الاستيعابية لهذه المسارات محدودة مقارنة بالكميات التي يمكن نقلها بحرًا عبر الخليج وخليج عُمان.
وتتعقد الأزمة مع تقلص بعض القنوات التجارية الإقليمية، إذ يمكن أن يؤدي توقف العلاقات التجارية والمالية مع الإمارات إلى زيادة الضغط، بالنظر إلى أن الأخيرة كانت ممرًا لنحو 30% من تجارة إيران، وفق تقديرات أوردتها المجلة.
لا تتحمل إيران وحدها الكلفة الاقتصادية للمواجهة، إذ أظهرت مؤشرات نقلتها "نيوزويك" تراجع ثقة المستهلك الأميركي من 71.7 نقطة عند بداية الولاية الثانية لترامب في كانون الثاني 2025 إلى 51 نقطة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وتجاوز الدين العام الأميركي 40 تريليون دولار.
ويرى مهران كامرافا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون في قطر، أن إيران نجحت في تحويل جانب من الصراع العسكري إلى مواجهة اقتصادية، مستفيدة من أوراق مرتبطة بتجارة الطاقة والممرات البحرية.
وتراهن واشنطن على أن تشديد العزلة وخفض الإيرادات النفطية وتعطيل قنوات التجارة سيجعل استمرار الوضع غير قابل للتحمل بالنسبة إلى طهران.
في المقابل، تراهن إيران على خبرتها الطويلة في التعامل مع العقوبات، وقدرتها على امتصاص الضغوط لمدة تتجاوز قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحمل التداعيات الاقتصادية والإقليمية.
وتنطلق الحسابات الإيرانية، وفق كامرافا، من اعتقاد بأن قدرة طهران على تحمل الألم الاقتصادي أكبر من قدرة واشنطن وشركائها، مستفيدة من سنوات عمل خلالها اقتصادها دون كامل إمكاناته بسبب العقوبات.
