وبينما يكفل الدستور حرية التعبير، تكشف شهادات نسائية عن فجوة بين النص القانوني وفاعلية الحماية على أرض الواقع، ما يضع المؤسسات أمام مسؤولية أكبر في ضمان بيئة آمنة لمشاركة النساء في الحياة العامة.

ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على الإساءة الشخصية، بل تمتد إلى التأثير في مشاركة النساء في الحياة العامة، ودفع بعضهن إلى الصمت أو ممارسة الرقابة الذاتية خشية التعرض للاستهداف.

تصاعد خطاب الكراهية ضد النساء

قالت الناشطة رؤى خلف لـ"روج نيوز" إن خطابات الكراهية والتحريض والابتزاز والتشهير ضد النساء المشاركات في الفضاء العام شهدت تصاعدا ملحوظا، ولا

رؤى خلف
رؤى خلف

سيما منذ عام 2019.

وأوضحت خلف أن هذه الممارسات تهدف، في كثير من الأحيان، إلى تحجيم دور النساء والحد من مشاركتهن في الحياة العامة، مشيرة إلى أن الاستهداف لا يرتبط دائما بمواقفهن أو آرائهن، وإنما قد يتحول إلى محاولة للنيل من شخصياتهن وحياتهن الخاصة.

وأضافت أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد ممارسة لحرية التعبير، موضحة أن هذه الحرية تتحول في كثير من الأحيان إلى السب والقذف والتشهير واستهداف الحياة الشخصية، فضلا عن نشر المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

التشهير والابتزاز.. استهداف يتجاوز الرأي

وأشارت خلف إلى أن النساء والناشطات أصبحن عرضة لحملات تشهير وابتزاز متزايدة، مبينة أن هذه الحملات قد تستهدف السمعة والحياة الخاصة، بدلا من مناقشة مواقف المرأة أو عملها ونشاطها في المجال العام.

وترى أن خطورة هذه الممارسات تكمن في تأثيرها المباشر في قدرة النساء على الاستمرار في نشاطهن، فضلا عن آثارها الاجتماعية والنفسية، خصوصا عندما تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة لإعادة نشر المعلومات المضللة أو الاتهامات والتشهير.

وشددت على أن حماية النساء المشاركات في الفضاء العام يجب ألا تتحول إلى قضية شخصية تتحملها الضحية بمفردها، بل ينبغي التعامل معها باعتبارها قضية حقوقية ومجتمعية تستوجب إجراءات قانونية ومؤسساتية واضحة.

تحديات مضاعفة أمام الصحفيات والناشطات

تبارك مجيد
تبارك مجيد

من جهتها، قالت الصحفية تبارك مجيد إن الدستور العراقي ضمن حرية التعبير عن الرأي في المادة 38، بما يشمل الصحافة والطباعة والنشر، مع مراعاة النظام العام والآداب.

وأشارت إلى أن الواقع يفرض تحديات مضاعفة على النساء العاملات في الصحافة والنشاط المدني والسياسي مقارنة بزملائهن الرجال، موضحة أنهن يتعرضن للابتزاز الإلكتروني والعنف الرقمي والتنمر وحملات التشهير وتهديد السمعة.

وأضافت أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى فرض رقابة ذاتية على الصحفيات والناشطات، وقد تدفع بعضهن إلى التراجع عن ممارسة نشاطهن أو تجنب تناول قضايا معينة خوفا من الاستهداف.

بين النص القانوني وثقة النساء بالمؤسسات

وأوضحت أن القانون العراقي عالج جرائم السب والقذف والتشهير ضمن قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، كما يفترض أن يوفر قانون حقوق الصحفيين الحماية للصحفيين من الضغوط التي قد يتعرضون لها أثناء ممارسة عملهم.

إلا أنها أشارت إلى أن المشكلة لا ترتبط بالتشريعات وحدها، وإنما تشمل أيضا مدى ثقة النساء بالمؤسسات المعنية بتوفير الحماية.

وقالت إن بعض النساء لجأن إلى جهات حكومية وأمنية طلبا للحماية، إلا أن معالجة بعض الحالات لم تكن بالمستوى المطلوب، مؤكدة الحاجة إلى آليات أكثر فاعلية لاستقبال الشكاوى ومتابعتها.

دور البرلمان والمجتمع المدني

وشددت تبارك مجيد على أن مسؤولية حماية النساء لا تقع على جهة واحدة، بل تتطلب تكاملا بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والأمنية ومنظمات المجتمع المدني.

وأوضحت أن البرلمان مطالب بتطوير التشريعات لمواكبة التحديات الجديدة، ولا سيما تلك المرتبطة بالفضاء الرقمي، فيما تتحمل الجهات الأمنية مسؤولية توفير آليات إبلاغ آمنة وفعالة وتسهيل إجراءات تقديم الشكاوى.

كما دعت منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات إلى أداء دور أكبر في حماية الصحفيات والناشطات وتوفير الدعم القانوني والمهني والمساندة للنساء اللواتي يتعرضن للاستهداف.

حماية النساء مسؤولية مشتركة

تكشف إفادتا الناشطة رؤى خلف والصحفية تبارك مجيد عن تحديات تواجه النساء في الفضاء العام، لا تتعلق فقط بوجود خطاب مسيء، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على توفير الحماية والاستجابة الفعالة عند وقوع الانتهاك.

فحرية التعبير حق أساسي، لكن حمايتها تتطلب أيضا حماية النساء من التهديد والتشهير والابتزاز والتحريض، وضمان ألا تتحول هذه الممارسات إلى وسيلة لإخراجهن من المجال العام.

وفي ظل اتساع الفضاء الرقمي، تبدو الحاجة أكبر إلى تشريعات وآليات حماية أكثر فاعلية، وإلى تعاون بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والنقابات، بما يضمن للصحفيات والناشطات والحقوقيات ممارسة أدوارهن بحرية وأمان.