تمر اليوم الذكرى الثانية لاستشهاد الصحفيتين كلستان تارا وهيرو بهادين، اللتين اغتيلتا في 23 آب/أغسطس 2024 أثناء أدائهما عملهما الإعلامي في منطقة سيد صادق بمحافظة حلبجة، إثر استهداف الدولة التركية، فيما كانتا تعملان ضمن شكرة "جتر" الإعلامية المستقلة.
من هما كلستان تارا وهيرو بهادين؟
وُلدت كلستان تارا عام 1983 في مدينة إلح "بطمان" بشمال كردستان، في عائلة تؤمن بالقضية الكردية والحرية. وبعد سنوات من البحث عن الحقيقة، كرّست حياتها، منذ أيار/مايو 1999، للنضال من أجل القضية الكردية، وعملت في مجالات مختلفة دفاعاً عن حرية الشعب الكردي وحقوق المرأة.
بدأت كلستان تارا العمل في مجال الإعلام عام 2000، وخلال مسيرتها التي امتدت 24 عاماً في مجال الإعلام الحر، عملت مع عدد من المؤسسات والوسائل الإعلامية في مناطق مختلفة من كردستان. وفي إقليم كردستان وغرب كردستان، جالت بكاميرتها بين الأحياء والشوارع لتوثيق الأحداث، ووضعت قلمها في خدمة قضايا المرأة وحرية شعبها.
أما هيرو بهادين، فولدت عام 1992 في ناحية عربت بمحافظة السليمانية، وتخرجت في قسم الهندسة بجامعة السليمانية التقنية. وفي عام 2017، بدأت العمل صحفية مستقلة ضمن شبكة "جتر" الإعلامية، وكانت عضوة في فريق البث، كما تولت مهام تقنية في مجالات التصوير والمونتاج والتصميم الغرافيكي.
ولم تكن هيرو صامتة تجاه قضايا المرأة وحقوق الصحفيات، بل كانت مدافعة عنها، كما أدت عملها الصحفي بمسؤولية عالية، ملتزمة بأخلاقيات المهنة ومبادئها.
لم تكن كلستان تارا وهيرو بهادين مجرد صحفيتين؛ فقد كرّستا حياتهما للعمل الإعلامي وخدمة الحقيقة، وتركتا وراءهما إرثاً مهنياً وإنسانياً في أوساط زملائهما وأصدقائهما.
كلستان تارا وهيرو بهادين.. إرث القلم وصوت الحقيقة
في اليوم الذي استشهدت فيه الصحفيتان، تعهّد زملاؤهما بمواصلة الطريق الذي بدأته كلستان وهيرو، وألا تُترك كاميرتهما وقلمهما جانباً، بل الاستمرار في توثيق الأحداث وكشف الحقائق التي قد يحاول البعض إخفاءها.
وتقول سنور رحمان، الصحفية في الإعلام الحر، إن الصحفيتين استشهدتا في وقت كان فيه إقليم كردستان والإعلام الحر يواجهان هجمات متعددة، بالتزامن مع مرحلة سياسية ووطنية صعبة شهدت تطورات متسارعة، فيما كان تأثير حركة التحرر والإعلام الحر في المجتمع واضحاً وملموساً. وتضيف أن الدولة التركية كانت تدرك طبيعة هذه التطورات.
وتشير رحمان إلى أن شخصية كلتا الصحفيتين كانت تجسد الوفاء للحقيقة والتاريخ، وأنهما حملتا إرث الإعلام الحر ونقلتاه إلى زملائهما ورفاقهما، فيما كانت أخلاقيات الصحافة ومبادئها حاضرة بوضوح في عملهما.
وفي حديثها عن كلستان تارا، تلفت سنور رحمان إلى أن إحدى أبرز سمات شخصيتها كانت إيصال أصوات النساء، ولا سيما النساء اللواتي لم يجدن مساحة للتعبير عن أنفسهن في المجتمع. وكانت تؤمن بضرورة توثيق الحقيقة وإيصالها بطريقة تحمي المجتمع والمرأة.
كما كانت ترى أن المرأة الحرة هي صاحبة فكر مستقل، وقادرة على إيجاد السبل لمعالجة المشكلات التي تواجه المجتمع.
هيرو بهادين.. الكاميرا التي وقفت في الصف الأول
تتحدث الصحفية هوار محمد عن بداية معرفتها بهيرو بهادين وكلستان تارا عام 2021، وتقول إن معرفتها بهما كانت تجربة جميلة، وإن الأيام التي قضينها معاً لم تكن مجرد فترة عمل، بل جمعت بين الصداقة والرفقة واللحظات الإنسانية.
وتضيف أنهن كن يعملن يومياً على متابعة القضايا والأحداث، ويسعين باستمرار إلى تطوير عملهن وتقديم الأفضل.
وترى هوار أن هيرو كانت تتمتع بخبرة واسعة في مجال المونتاج، وكانت تلجأ إليها كلما احتاجت إلى المساعدة، فتقدم لها الدعم بمهنية وإخلاص.
وتقول إن هيرو كانت تعمل باحترافية عالية، وتقف خلف الكاميرا "كالجندي"، حاضرة دائماً في الميدان، وملتزمة بتوثيق الأحداث ونقلها.
وتضيف هوار أن هيرو كانت تقدم آراءها ومقترحاتها في الاجتماعات، سواء كانت نسائية أم عامة، وكانت جادة وصريحة في عملها. ومن أبرز صفاتها قدرتها على توجيه النقد، إلا أن نقدها كان دائماً بهدف التطوير وإيجاد الحلول.
وكانت مقترحاتها تهدف إلى إحداث تغيير إيجابي، وتترك أثراً واضحاً في البرامج والعمل الإعلامي بصورة عامة.
وتتحدث هوار محمد أيضاً عن بعض تفاصيل حياة هيرو اليومية، فتقول إنها كانت تحب مشاهدة الأفلام كثيراً، كما كانت تحب الزهور، وكانت تضع دائماً زهرة على مكتبها. وتصف صداقتها بأنها كانت جميلة ومريحة، مشيرة إلى أنها لم تكن تميز بين الأشخاص في تعاملها معهم.
وتقول هوار إنها بعد استشهاد هيرو أصبحت على تواصل أكبر مع عائلتها، وشاهدت عن قرب الأثر الذي تركته في شقيقاتها وأسرتها، مؤكدة أن تلك الصفات والخصال هي التي تجعل ذكرى هيرو واسمها حاضرين دائماً، ولا تسمح بنسيانها.
إرث مستمر من أجل الحقيقة والحرية
في المجتمع الكردي، تُحفر النقوش على الحجر، لكن كلستان تارا وهيرو بهادين تركتا اسميهما في ذاكرة من عرفهما، وحفرتا إرثهما المهني والإنساني في قلوب زملائهما ومجتمعهما.
وتبقى القضية التي دافعتا عنها بقلمهما وكاميرتهما حاضرة في المشهد الإعلامي، فيما يؤكد زملاؤهما أن رحيلهما لن يضع حداً لمسيرتهما، بل سيشكل دافعاً لمواصلة العمل وتوسيع مساحة التغطية الإعلامية والتوثيق.
وستبقى ذكرى كلستان وهيرو وشخصيتهما وإرثهما في الإعلام الحر حاضرة، بوصفهما صحفيتين كرّستا سنوات من حياتهما للعمل في الميدان وتوثيق الأحداث.
وفي الذكرى الثانية لرحيلهما، يستعيد زملاؤهما ما تركتاه من إرث مهني وإنساني، ويجددون التأكيد على مواصلة العمل الصحفي وملاحقة الحقيقة وكشف ما يرونه من انتهاكات، وإيصال أصوات المجتمع إلى العالم.
لقد تحولت ذكراهما إلى دافع لدى زملائهما للاستمرار في العمل الإعلامي، والحفاظ على إرثهما المهني، والاستمرار في استخدام القلم والكاميرا لتوثيق الأحداث ونقل أصوات النساء والمجتمع.
وستبقى قصتهما شاهدة على صحفيتين اختارتا الميدان طريقاً لهما، وجعلتا من الكاميرا والقلم وسيلتين لتوثيق الحقيقة، فيما تظل ذكراهما حاضرة لدى زملائهما وكل من عمل معهما.
