ولا يقتصر الجدل على طبيعة وجود القوات الأجنبية، بل يتصل بصورة أوسع بمفهوم سيادة الدولة واحتكارها للقرار الأمني والعسكري، خصوصا في ظل وجود فصائل مسلحة ترتبط سياسيا بأحزاب مشاركة في العملية السياسية.

وفي هذا السياق، ترى القانونية والباحثة السياسية ريزان شيخ دلير، في حديث لـ”روج نيوز“، أن العراق أمام اختبار حقيقي في قدرته على فرض سيادة الدولة وتطبيق قراراتها على جميع الأطراف.

حصر السلاح.. اختبار لهيبة الدولة

لقطة-شاشة-2026-09-07-104158-768x497.png
ريزان شيخ دلير

تقول شيخ دلير إن العراق لا يستطيع أن يكون دولة مستقلة وصاحبة سيادة حقيقية في ظل وجود سلاح خارج إطار الدولة، مشيرة إلى أن أي جهة مسلحة تعمل بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة يمكن أن تؤثر على القرار السياسي والأمني للعراق.

وتوضح أن الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة، سواء من خلال الوزراء أو النواب، مطالبة باحترام قرارات الدولة، ولا يمكن أن تكون جزءا من الحكومة وفي الوقت نفسه تمتلك أجنحة مسلحة تعمل خارج إطارها.

وترى أن الحكومة مطالبة بحسم ملف حصر السلاح بأسرع وقت، وأن التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون من خلال المؤسسات القانونية والدستورية، وليس عبر التسويات السياسية أو الضغوط الحزبية.

الحشد الشعبي.. مؤسسة رسمية أم سلاح خارج الدولة؟

وتؤكد شيخ دلير أهمية التفريق بين الحشد الشعبي كمؤسسة رسمية وبين الفصائل المسلحة التي قد تحمل اسمه أو ترتبط به.

وتقول إن الحشد الشعبي مؤسسة قانونية تابعة للدولة العراقية، ولديه قانون ينظم عمله، وهو جزء من المنظومة الأمنية، وبالتالي لا يمكن وضع المؤسسة بأكملها في خانة الميليشيات.

لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة وضع أي فصيل أو جهة داخل الحشد تحتفظ بتشكيلات مسلحة أو تتخذ قراراتها بعيدا عن الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة، مؤكدة أن القرار العسكري يجب أن يكون بيد الدولة حصرا.

أمريكا والتحالف الدولي.. الموقف لا يخص العراق وحده

وتشير شيخ دلير إلى أن موقف الولايات المتحدة من الجماعات المسلحة لا يرتبط بالعراق وحده، وإنما يشمل الدول التي توجد فيها جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة وتمتلك قدرات عسكرية يمكن أن تؤثر على أمنها أو على القوات الدولية.

وتلفت إلى أن العراق شهد خلال السنوات الماضية هجمات استهدفت قوات التحالف الدولي داخل أراضيه، معتبرة أن هذا النوع من الهجمات يضع العراق أمام تداعيات سياسية وأمنية ودولية.

وتضيف أن تجارب دول أخرى، ومنها لبنان وسوريا، تظهر حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار جماعات مسلحة قوية خارج السيطرة الكاملة للدولة، مشددة على أن العراق لا ينبغي أن يصل إلى هذه المرحلة.

السلاح خارج الدولة.. خطر يتجاوز الأمن

وترى شيخ دلير أن مخاطر السلاح خارج إطار الدولة لا تتوقف عند الجانب الأمني، بل يمكن أن تمتد إلى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.

وتوضح أن دخول جهات أو شخصيات مرتبطة بتشكيلات مسلحة في قوائم الإرهاب قد يؤدي إلى فرض عقوبات مالية وتجميد أموال وحسابات مرتبطة بها، وهو ما يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على العراق.

وتحذر من أن وصول العراق إلى مرحلة العقوبات أو العزلة المالية سيكون خطيرا، خصوصا أن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، في وقت يعاني فيه البلد أصلا من الفقر والبطالة وضعف فرص العمل وغياب قاعدة صناعية قوية.

العراق لا يريد أن يكون طرفا في الحرب

وتؤكد شيخ دلير أن العراق لا يستطيع الدخول في أي حرب إقليمية، خصوصا في ظل امتلاكه علاقات مع إيران وتركيا ودول الخليج والمجتمع الدولي.

وتقول إن على العراق أن يحافظ على موقف مستقل ومتوازن، وأن يكون دوره تفاوضيا وسياسيا، لا أن يتحول إلى طرف في أي صراع إقليمي.

وتشير إلى أن الموقف العراقي المعلن أمام الأطراف الدولية يؤكد أن العراق دولة مستقلة ولا تريد الدخول في الحرب، وهو ما يتطلب، بحسب رأيها، منع أي جهة داخل العراق من جر البلاد إلى مواجهة لا تريدها الدولة.

القوات الأجنبية.. السيادة يجب أن تشمل الجميع

وفي ما يتعلق بوجود القوات الأجنبية، ترى شيخ دلير أن مبدأ السيادة يجب أن يكون شاملا، ولا يمكن التعامل مع القوات الأمريكية والتركية والإيرانية بمعايير مختلفة.

وتتساءل عن استمرار وجود القوات الأجنبية داخل الأراضي العراقية، مؤكدة أن الدولة التي تطالب بخروج القوات الأجنبية لأنها صاحبة سيادة، يجب أن تكون قادرة أيضا على فرض سيطرتها على جميع التشكيلات المسلحة الموجودة داخل أراضيها.

هل تستطيع الحكومة فرض قرارها؟

وحول إمكانية رفض بعض الفصائل قرار حصر السلاح، تقول شيخ دلير إن الدولة تمتلك أدوات قانونية ودستورية وأمنية للتعامل مع أي جهة ترفض قراراتها.

وتشير إلى أن القضاء العراقي يستطيع إصدار قرارات وأوامر قضائية بحق المخالفين، وأن التعامل مع الفصائل الرافضة لقرارات الدولة يجب أن يكون عبر القانون ومؤسسات الدولة، لا عبر صفقات سياسية جديدة.

وترى أن الموقف الحالي مختلف عن مراحل سابقة، في ظل وجود دعم سياسي لقرار حصر السلاح بيد الدولة، معتبرة أن الأحزاب السياسية الأساسية المشاركة في الحكومة أصبحت تدرك خطورة استمرار السلاح خارج المؤسسات الرسمية.

هل يتكرر سيناريو لبنان؟

وتحذر شيخ دلير من وصول العراق إلى وضع مشابه لما شهدته دول أخرى، وخصوصا لبنان، نتيجة استمرار قوة جماعات مسلحة خارج إطار الدولة.

وتقول إن العراق لا يريد تكرار هذه التجربة، لأن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة يمكن أن يؤدي إلى أزمات وحروب وتدخلات خارجية، ولا يقتصر ضرره على مكون واحد، بل يطال مختلف مكونات المجتمع العراقي.

وتؤكد أن أي فصيل يقول إنه يدافع عن مكون معين لا يمكن أن يجعل ذلك مبررا لامتلاك السلاح خارج إطار الدولة، لأن الدولة هي الجهة المسؤولة عن حماية جميع المواطنين والمكونات.

القرار بيد الدولة

وتخلص شيخ دلير إلى أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل خطوة أساسية لاستعادة سيادة العراق وهيبة مؤسساته، مؤكدة أن نجاح الحكومة في تنفيذ هذا القرار سيكون اختبارا حقيقيا لقدرتها على فرض القانون.

وتقول إن العراق بحاجة إلى دولة يكون فيها القرار العسكري والأمني بيد المؤسسات الرسمية، وأن استمرار تعدد مراكز القوة والقرار سيبقى تهديدا لسيادة الدولة واستقرارها.

وترى أن الحكومة تمتلك حاليا فرصة للمضي بهذا الاتجاه، خصوصا مع وجود مساندة سياسية لقرار حصر السلاح، مؤكدة أن العراق لا يحتاج إلى مزيد من مراكز القوة، بل إلى دولة واحدة وقرار واحد وسلاح واحد تحت سلطة المؤسسات الرسمية.