ورغم الأجواء الودية، فإن الرسائل السياسية التي حملها المؤتمر كانت ثقيلة حيث تصدرت ملفات إيران، والفصائل المسلحة والاستثمار ومستقبل العلاقات العراقية الأميركية إلى جانب الحديث عن انتقال بغداد وواشنطن إلى مرحلة جديدة قوامها الاقتصاد والشراكة الإستراتيجية.

ومن داخل المكتب البيضاوي، أطلق الزيدي أحد أكثر تصريحاته وضوحاً بشأن ملف الفصائل المسلحة، معلناً أن نهاية شهر أيلول المقبل ستكون محطة فاصلة مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، مؤكداً أن استمرار وجود الفصائل لن يبقى مبرراً بعد ذلك.

وقال رئيس الوزراء إن تلك "التشكيلات ستتحول إلى العمل السياسي والمدني"، في إشارة عدت من أكثر المواقف وضوحاً التي تصدر عن رئيس وزراء عراقي من داخل البيت الأبيض بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة.

ولم يكن حديث الزيدي عن الفصائل منفصلاً عن رؤيته لمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة غير أنه جاء ضمن تصور أوسع يقوم على استبدال الشراكة العسكرية بشراكة اقتصادية واستثمارية في ظل ما وصفه بالحاجة إلى مرحلة جديدة تركز على التنمية والتكنولوجيا وجذب رؤوس الأموال.

ويأتي هذا الخطاب في وقت يواجه فيه العراق تحديات أمنية واقتصادية معقدة بالتزامن مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وهو ما جعل الملف الاقتصادي يحتل مساحة واسعة من حديث رئيس الوزراء الذي شدد على أن العراق بحاجة إلى قوة اقتصادية قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية.

وخلال المؤتمر، استحضر الزيدي البعد الحضاري للعراق عندما نقل تحياته قائلاً إنها قادمة من “أعظم حضارة في العالم”، قبل أن يربط مستقبل تلك الحضارة بقدرتها على بناء اقتصاد حديث قائم على الاستثمار والتكنولوجيا والانفتاح على الشراكات الدولية.

ولم يكن هذا الطرح جديداً في خطاب رئيس الوزراء، إذ يكرر في معظم إطلالاته أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة بناء وتنمية، مستنداً إلى خلفيته الأكاديمية في الاقتصاد، التي يشير إليها باستمرار عند الحديث عن أولويات حكومته.

وفي هذا السياق، يبدو أن الحكومة العراقية تراهن على تحويل العلاقة مع واشنطن من التعاون الأمني إلى التعاون الاقتصادي، بالتزامن مع قرب انتهاء مهمة التحالف الدولي بما يعكس رؤية مختلفة لطبيعة المصالح المشتركة بين البلدين، تقوم على الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا بدلاً من الملفات العسكرية التي هيمنت على العلاقة طوال السنوات الماضية.

كما تعكس تصريحات الزيدي توجهاً حكومياً يعتبر أن تعزيز الاقتصاد يمثل مدخلاً لترسيخ الاستقرار، وأن التنمية قادرة على معالجة كثير من التحديات التي أفرزتها سنوات الصراع، وهو ما يفسر تركيزه المتكرر على جذب الشركات العالمية وتوسيع الاستثمارات الأجنبية داخل العراق.

في المقابل، تشير التطورات الأخيرة إلى اهتمام أميركي متزايد بالعراق، ليس من زاوية الأمن فقط، بل من بوابة الاقتصاد والطاقة أيضاً، وهو ما ظهر بوضوح خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن، وما رافقها من تصريحات متبادلة ركزت على الاستثمار والشراكة الاقتصادية أكثر من الملفات العسكرية.

وقد تفتح انتهاء مهمة التحالف الدولي الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، يكون حضور الشركات الأميركية فيها أكثر وضوحاً، ولا سيما في قطاعات النفط والطاقة والبنى التحتية والتكنولوجيا، في إطار رؤية تسعى إلى تحويل العراق إلى شريك اقتصادي طويل الأمد.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار الضغوط الأميركية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار أن تحقيق الاستقرار الأمني يمثل أحد أهم متطلبات جذب الاستثمارات الأجنبية وتهيئة بيئة اقتصادية مستقرة.

وعقب انتهاء المؤتمر، أوضح الزيدي أن زيارته إلى واشنطن تستهدف بناء شراكة اقتصادية متينة مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن انتهاء الوجود العسكري الأميركي ضمن التحالف الدولي سيقابله حضور اقتصادي عبر الشركات الأميركية، وأن العلاقة بين البلدين يجب أن تقوم على الاقتصاد والتنمية بدلاً من الشراكة العسكرية.

وأضاف أن الشراكة بين بغداد وواشنطن تمثل صلة بين أقدم حضارات العالم، التي يمثلها العراق، وبين أكبر اقتصاد عالمي تمثله الولايات المتحدة، مؤكداً أن هذه العلاقة ينبغي أن تركز على تحقيق مصالح الشعبين، وتعزيز فرص الاستثمار ونقل التكنولوجيا والخبرات.

وشدد رئيس الوزراء على أن العراق بحاجة إلى شريك إستراتيجي بحجم الولايات المتحدة لتجاوز التحديات الاقتصادية والتكنولوجية، موضحاً أن الخطط التنموية التي تعمل عليها حكومته تشمل جميع المحافظات العراقية، بما فيها إقليم كردستان والبصرة والأنبار، في إطار رؤية تقوم على التنمية المتوازنة.

من جانبه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة وقفت إلى جانب العراق في مواجهة تنظيم داعش، وستواصل دعم حكومة الزيدي في جهودها الرامية إلى تعزيز الاستقرار وتوسيع التعاون الاقتصادي، مشيراً إلى أن العراق يمثل شريكاً مهماً في قطاعي الطاقة والاقتصاد.

كما وصف الرئيس الأميركي، رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بالقائد العظيم، متوقعاً أن يستمر بمنصبه لوقت طويل، وقال ترامب” لي شرف عظيم أن استقبل رئيس الوزراء العراقي”.

وأكمل، ” الزيدي قائد عظيم  ويقوم بعمل ممتاز، و أتوقع ان يستمر في منصبه رئيسا للحكومة العراقية لوقت طويل”.

وكانت الحكومة التي يقودها الزيدي قد اتخذت خطوات عملية كان أبرزها موافقة مجلس الوزراء على توقيع اتفاقيات بين وزارة النفط، ممثلة بشركتي نفط البصرة ونفط الشمال، وشركة شيفرون الأميركية، شملت اتفاقية الدفعة المقدمة، واتفاقية تأمين النفط الخام، ورسالة الضمان، في خطوة تستهدف زيادة الإنتاج وتعزيز قدرات القطاع النفطي.

وتعكس هذه الخطوات ملامح مرحلة جديدة في العلاقات العراقية الأميركية، تقوم على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بالتوازي مع إنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي وهو تحول قد يرسم طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن خلال السنوات المقبلة، إذا ما نجحت الحكومة في ترجمة هذا التوجه إلى مشاريع واستثمارات تنعكس على الواقع الاقتصادي العراقي.