وتتزامن هذه التطورات مع تراجع نسبي في تأثير الدور الإيراني داخل العراق مقابل تصاعد الحضور الإقليمي والدولي في المشهد العراقي وسط تنافس متزايد على النفوذ في بلد ما يزال يمثل إحدى أهم ساحات التوازنات في المنطقة.

وفي خضم هذه المتغيرات، جاءت تحركات قالن ولقاءاته التي شملت مسؤولين حكوميين وقادة أحزاب وشخصيات سياسية في بغداد وكركوك وإقليم كردستان، لتثير تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل التي حملتها الزيارة وما إذا كانت تندرج ضمن التنسيق الأمني التقليدي أم تعكس محاولة تركية لإعادة ترتيب أوراقها في العراق بالتزامن مع التحولات التي يشهدها الداخل العراقي والتغيرات الإقليمية المتسارعة.

واستهل قالن زيارته من العاصمة بغداد، حيث التقى رئيس الجمهورية نزار آميدي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ومستشار الأمن القومي باسم البدري، إلى جانب رئيس حزب "تقدم" محمد الحلبوسي، قبل أن ينتقل إلى محافظة كركوك ثم إلى إقليم كردستان.

وفي كركوك، زار قالن قلعة كركوك التاريخية، في زيارة حظيت باهتمام واسع من وسائل الإعلام التركية، كما عقد لقاءً مع رئيس الجبهة التركمانية محمد سمعان آغا، قبل أن يلتقي في إقليم كردستان رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني.

ويرى المحلل السياسي محمود الحسيني أن زيارة مسؤول أمني تركي رفيع إلى العراق بحد ذاتها ليست أمراً استثنائياً، إلا أن طبيعة اللقاءات التي أجراها مع شخصيات ومكونات محددة تثير، بحسب تعبيره، كثيراً من علامات الاستفهام.

ويقول الحسيني، في حديث لـ"روج نيوز"، إن اختيار شخصيات سياسية بعينها، ولا سيما من القيادات السنية والتركمانية، يفرض على الحكومة العراقية توضيح طبيعة هذه اللقاءات وأهدافها، لافتاً إلى أن مثل هذه التحركات قد تعكس وجود مصالح تركية داخل المشهد السياسي العراقي.

وأضاف أن العراق مطالب، بالتوازي مع أي تعاون أمني مع أنقرة، بإثارة ملف الوجود العسكري التركي داخل أراضيه، وإنهاء ما وصفه بالانتهاكات المستمرة للسيادة العراقية، فضلاً عن معالجة الملفات الخلافية، وفي مقدمتها المياه والعمليات العسكرية عبر الحدود.

ويأتي الجدل بشأن الزيارة في وقت لا تزال القوات التركية تنتشر داخل الأراضي العراقية، ولا سيما في محافظة دهوك، حيث تمتلك قواعد ونقاطاً عسكرية تمتد في بعض المناطق إلى عشرات الكيلومترات داخل الحدود العراقية، فيما لم تتضمن الاتفاقيات الموقعة بين بغداد وأنقرة أي جدول زمني لإنهاء هذا الوجود.

كما سبق أن قدمت الرئاسة التركية مذكرة إلى البرلمان لتمديد مهام القوات التركية العاملة في العراق وسوريا ولبنان لمدة ثلاث سنوات إضافية، مع الإبقاء على صلاحية تنفيذ عمليات عسكرية خارج الحدود عند الضرورة.

من جانبه، يرى المحلل السياسي ماهر عبد جودة أن توقيت زيارة قالن يحمل دلالات سياسية، إذ تزامن مع تحركات داخلية تشهدها بغداد في ملفات مكافحة الفساد وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة.

وقال جودة لـ"روج نيوز" إن لقاء رئيس الاستخبارات التركية بشخصيات لا تشغل جميعها مناصب تنفيذية يثير تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل التي حملتها الزيارة، معتبراً أن بعض دول الجوار تراقب عن كثب التحولات السياسية التي يشهدها العراق.

ماهر عبد جودة
ماهر عبد جودة

وأضاف أن استمرار التدخلات الخارجية يرتبط أيضاً بغياب موقف وطني موحد، داعياً القوى السياسية إلى التعامل مع الملفات السيادية بمنطق الدولة بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية.

وفي وقت سابق، أعربت الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في منظومة المجتمع الكردستاني (KCK) عن رفضها لما وصفته بسياسة “فرض الأمر الواقع”، مؤكدة أن قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان، وكذلك الحركة التحررية الكردية، لا يقبلان التعامل مع عملية السلام عبر فرض قوانين أو قرارات أحادية الجانب، معتبرة أن اعتماد نهج يقوم على إصدار القوانين وإلزام الأطراف بقبولها تحت التهديد “سيكون بعيداً عن العقل ويشكّل امتداداً لسياسات الحرب الخاصة”.

وجاء ذلك في بيان مطوّل تناول آخر التطورات المتعلقة بالنقاشات الدائرة في تركيا بشأن ما يُعرف بـ”القانون الإطاري”، إضافة إلى المسار السياسي المرتبط بالمبادرة التي طرحها عبدالله أوجلان تحت عنوان “السلام والمجتمع الديمقراطي”.

وأكدت المنظومة أن العديد من المعلومات التي يتم تداولها في وسائل الإعلام التركية لا تعكس حقيقة ما يجري داخل مسار الحوار، مشيرة إلى أن بعض التقييمات المنسوبة إلى أوجلان لا تمت بصلة إلى مواقفه الحقيقية، بل تتعارض معها.

ونفت بشكل قاطع الأنباء التي تحدثت عن لقاءات جديدة بين عبدالله أوجلان والجهات المعنية بعد اجتماعه في سجن إمرالي بتاريخ 24 أيار الماضي، مؤكدة أن ذلك اللقاء كان الأخير حتى الآن، ولم تُعقد أي اجتماعات أخرى معه، خلافاً لما يتم تداوله في وسائل الإعلام.

وفي جانب آخر من البيان، أبدت منظومة المجتمع الكردستاني قلقها من التحركات السياسية والأمنية التركية داخل العراق، معتبرة أن الزيارات التي يجريها رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن إلى بغداد وهولير والسليمانية تثير تساؤلات بشأن أهدافها الحقيقية.

وقالت المنظومة إن هذه التحركات لا يمكن النظر إليها باعتبارها نشاطاً استخباراتياً عادياً، بل ربطتها بما وصفته باستعدادات محتملة لشن عمليات عسكرية جديدة، مستذكرة اجتماعات مشابهة سبقت العمليات العسكرية التركية في مناطق شمال وشرق سوريا.

وأضاف البيان أن الشعب الكردي والقوى السياسية الكردية يجب أن تكون على دراية بما يجري، وأن تتعامل بحذر مع التصريحات الرسمية التركية، معتبرة أنها تعكس وجهة نظر أحادية ولا تراعي المصالح الكردية.

وربطت المنظومة بين الزيارات التركية الأخيرة وبين قرار الحكومة العراقية الخاص بتنظيم أوضاع التشكيلات المسلحة خارج إطار القوات المسلحة الرسمية، متسائلة عما إذا كانت أنقرة تسعى إلى التنسيق مع بغداد لاستهداف الحركة التحررية في شمال العراق.

كما أشار البيان إلى وجود اجتماعات مماثلة أجرتها تركيا مع إيران، معتبراً أن أي تعاون إقليمي يستهدف الحركة التحررية الكردية سيؤثر سلباً على فرص نجاح عملية السلام، داعياً الحكومة العراقية إلى عدم الانخراط في مثل هذه الخطط إذا كانت موجودة.

ودعت منظومة المجتمع الكردستاني القوى الديمقراطية والرأي العام والشعب الكردي إلى التحلي باليقظة تجاه ما وصفته بالمحاولات الرامية إلى إفشال مشروع “السلام والمجتمع الديمقراطي”، مؤكدة ضرورة مواصلة النضال السياسي والعمل من أجل إنجاح أي مسار يفضي إلى حل سلمي للقضية الكردية.

وأكد البيان أن نجاح عملية السلام يتطلب الابتعاد عن السياسات العسكرية والإجراءات الأحادية، والاعتماد بدلاً من ذلك على الحوار والتفاهم بين جميع الأطراف.

تأتي هذه التصريحات في ظل مرحلة تشهد تطورات متسارعة في الملف الكردي، بالتزامن مع استمرار النقاشات داخل تركيا حول إعداد إطار قانوني يُنظّم أي عملية مستقبلية تتعلق بحل قضية حزب العمال الكردستاني، في وقت تتحدث فيه وسائل إعلام تركية عن مبادرات سياسية تهدف إلى إنهاء الصراع الممتد منذ أكثر من أربعة عقود.

ويُعد قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان، المعتقل منذ عام 1999 في سجن إمرالي، الشخصية المحورية في أي مبادرة تتعلق بالقضية الكردية، إذ سبق أن قاد جولات من المفاوضات غير المباشرة مع الدولة التركية خلال الفترة بين عامي 2013 و2015، قبل أن تتوقف العملية السياسية من جهة تركيا وتستأنف تركية عمليتها العسكرية.