ويأتي القرار في أعقاب توتر شهدته العلاقات بين بغداد والرياض، بعدما اتهمت السعودية فصائل عراقية مسلحة باستهداف أراضيها بطائرات مسيّرة، قبل أن تنفذ، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، ضربات داخل العراق شملت ست محافظات واستهدفت مقار تابعة للفصائل.

وحول القرار الأخير، يقول المحلل السياسي رمضان البدران، في تصريح لـ”روج نيوز”، إن “محاولة جعل العراق دولة سوية كأي بلد في العالم، خالية من الفصائل الموازية للقوات الأمنية، هي خطوة بالاتجاه الصحيح، وتساعده على أن يكون كباقي الدول، كما تساعد الدول الأخرى على التعامل معه بوصفه دولة مستقرة ومؤسساتية”.

ويضيف أن “إشكالية الفصائل المسلحة العقائدية تكمن في تقديم أولوياتها على الأولويات الوطنية، وهذا يجعل الدول غير مستقرة والتعامل معها معقداً، لأنها تخضع لأجندات وتجاذبات سياسية، كما يحصل مع العراق”.

وعن أهمية المنطقة الحدودية، يوضح البدران أن “بادية السماوة حساسة جداً، وهي منفذ العراق باتجاه الخليج والسعودية على وجه الخصوص، كما أنها منطقة غير مأهولة، ويمكن استغلالها لتنفيذ نشاطات مختلفة بعيداً عن علم الدولة، وهو ما قد يضع العراق في حرج كبير”.

ويتابع أن “هناك إشكالات ومؤشرات عديدة بشأن استهدافات حصلت للسعودية من داخل العراق، وقد تكون البادية إحدى المناطق التي انطلقت منها تلك الاستهدافات”، معتبراً أن تسليم الملف إلى القوات الرسمية “إجراء صحيح يبعث على الطمأنة”.

ويشير إلى أن “هذا المسار قد يتوسع لكي تتولى الدولة وأجهزتها الأمنية مسؤولية الأمن بصورة كاملة، بدلاً من وجود جهات موازية لا تخضع للنظام ومؤسساته الدستورية”.

وكانت قيادة عمليات البادية قد تسلمت، يوم الخميس، مسؤولية الأمن في القرية العصرية التابعة لقضاء نقرة السلمان بمحافظة المثنى، عقب انسحاب قوات الحشد الشعبي من المنطقة.

تهدئة مع الرياض

وتأتي الخطوة بالتزامن مع تراجع حدة التوتر بين العراق والسعودية، عقب استئناف الاتصالات الأمنية بين البلدين. وشهدت المرحلة الأخيرة زيارة وفد أمني واستخباري سعودي إلى بغداد، أعقبتها زيارة وفد أمني عراقي إلى الرياض، ضمن مسار لتبادل المعلومات الاستخبارية وتعزيز التنسيق بشأن أمن الحدود والاستقرار الإقليمي.

وتتقاطع هذه التطورات مع تغييرات أوسع يشهدها الملف الأمني العراقي، إذ أثار إلغاء قيادة العمليات المشتركة وإعادة تنظيم مهامها ضمن مكتب القائد العام للقوات المسلحة قراءات تتحدث عن توجه لإعادة ضبط مراكز القرار الأمني، خصوصاً أن القيادة كانت تضم ممثلين عن هيئة الحشد الشعبي وقادة تربط بعضهم علاقات مباشرة بفصائل مسلحة.

وفي السياق ذاته، تتداول أوساط سياسية معلومات، لم تعلنها الحكومة رسمياً، بشأن احتمال تنفيذ تحركات أمنية في مناطق تتمتع فيها الفصائل بنفوذ واسع، من بينها جرف الصخر في محافظة بابل. ويثير هذا الحديث مخاوف من احتمالات حدوث احتكاك قد يتطور إلى مواجهة، في حال انتقلت الحكومة من مرحلة الضغط السياسي إلى فرض قراراتها ميدانياً.

وكان ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم القوى السياسية الرئيسية، قد أكد خلال اجتماعه في الخامس من آب ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وعدّ الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج إطار المؤسسات الرسمية “خارجة عن القانون ويجب محاربتها”.

وأعقب ذلك رفع مستوى جاهزية القوات الأمنية والعسكرية، وإلغاء إجازات عدد من القادة والآمرين، إلى جانب تنفيذ تحركات وتدريبات ميدانية تحسباً لأي طارئ أو احتكاك أمني محتمل.

قرار عسكري أم رسالة سياسية؟

من جانبه، يؤكد المحلل السياسي علي فضل الله، في تصريح لـ”روج نيوز”، أن “تحريك القوات، سواء الحشد الشعبي أو غيره من القطعات الأمنية، يدخل ضمن الصلاحيات الكاملة للقائد العام للقوات المسلحة، ومن المفترض أن تكون هناك أيضاً رؤية لدى القيادات الميدانية بشأن آلية توزيع هذه القوات على الحدود العراقية”.

ويرى أن “الحدود مع السعودية تكتسب أهمية كبيرة جداً بالنسبة للعراق، خصوصاً بعد الحادثة الأخيرة وقصف مقار الحشد من قبل الرياض، لكن في المقابل كان للحشد دور مهم في ضبط الحدود مع الجارة السعودية خلال السنوات الماضية”.

ويضيف أن “مستوى خطورة هذا القرار، أو الموضوع بشكل عام، يبقى من تقدير القيادات الأمنية التي تمتلك رؤية بشأن تحريك القطعات ونقلها”، مؤكداً أن الخطوة “لا تعني بالضرورة أن القرار يستهدف جهة بعينها، سواء الحشد الشعبي أو غيره”.

حدود حساسة وملف قديم

ويرتبط العراق مع السعودية عبر معبرين بريين؛ الأول منفذ عرعر الحدودي، الذي أُعيد افتتاحه عام 2020 بعد إغلاق دام نحو 29 عاماً، ويقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الأنبار. أما الثاني فهو معبر الجميمة من الجهة الجنوبية، ويقع ضمن امتداد بادية محافظة المثنى، ويُعد تاريخياً أحد طرق الحج الرئيسية.

وخلال السنوات الماضية، أثار ملف البادية الحدودية بين العراق والسعودية جدلاً سياسياً وأمنياً، على خلفية محاولات سعودية لاستثمار أجزاء منها، وهو ما قوبل برفض من قوى شيعية مسلحة وجهات سياسية مقربة منها، قبل أن تُمنح المنطقة لاحقاً للاستثمار إلى شركة تابعة لهيئة الحشد الشعبي، التي تولت أيضاً مهام تأمينها.

وبذلك، لا يبدو سحب الحشد الشعبي من المنطقة الحدودية إجراءً ميدانياً منفصلاً عن التطورات الأوسع، بقدر ما يأتي ضمن سلسلة تغييرات أمنية متسارعة تسعى الحكومة من خلالها إلى إعادة توزيع القوات وحصر إدارة الملفات الحساسة بالمؤسسات الرسمية. غير أن الاختبار الأبرز سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة بغداد على المضي في هذا المسار مع اقتراب مهلة 30 أيلول، من دون أن تتحول إعادة ترتيب المشهد الأمني إلى نقطة احتكاك جديدة مع الفصائل المسلحة.