وتأتي زيارة قاليباف بعد خطوات اتخذتها حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي للضغط على الفصائل المسلحة من أجل تسليم سلاحها، وتفكيك تشكيلاتها أو دمج عناصرها في المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية. وحظيت هذه التوجهات بدعم قوى سياسية رئيسية، بينها الإطار التنسيقي وائتلاف قوى الدولة، فيما دعت غالبية الكتل السياسية علناً إلى حصر السلاح بيد الدولة، مع طرح خيارات لاستيعاب عناصر الفصائل ضمن المؤسسات الرسمية.

وسبقت زيارة قاليباف إلى بغداد زيارة سريعة لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، التقى خلالها عدداً من قادة الفصائل المسلحة وشخصيات سياسية عراقية. وبحسب ما أُعلن أو تسرّب عن تلك اللقاءات، فإن قاآني شدد على أن سلاح الفصائل يمثل «خطاً أحمر» بالنسبة إلى طهران، ولا يمكن المساس به في المرحلة الحالية.

وخلال زيارته بغداد، بعث قاليباف برسائل سياسية واضحة، إذ أشاد بدور ما وصفها بـ«المقاومة العراقية»، مؤكداً أنها باتت تمتلك حضوراً إقليمياً ودولياً، ومشيراً إلى ما اعتبره «عناصر القوة» التي تتمتع بها.

ويرى المحلل السياسي محمود الحسيني، في تصريح لـ" روج نيوز"، أن زيارة قاليباف تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، مشيراً إلى أن إحدى أبرز رسائلها تتمثل في تأكيد إيران أهمية العراق باعتباره عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي، بالنظر إلى الحدود الطويلة التي تجمع البلدين.

ويضيف الحسيني أن الرسالة الثانية تتمثل في تمسك طهران بما تسميه «المقاومة» ودعمها للفصائل المسلحة، معتبراً أن تصريحات قاليباف تكتسب أهمية خاصة في ظل توجه الحكومة العراقية نحو حصر السلاح بيد الدولة. ويرى أن الموقف الإيراني يعكس تمسكاً بالفصائل وعدم استعداد طهران للتخلي عنها أو عن مشروعها الإقليمي.

ويتابع الحسيني أن التحركات الأميركية الأخيرة، على المستويين السياسي والعسكري، تمثل مصدر قلق لطهران، معتبراً أن زيارة قاليباف تأتي في هذا السياق لتوجيه رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن إيران لن تتخلى عن العراق ولن تترك ساحته السياسية والأمنية.

في المقابل، صعّدت كتائب حزب الله لهجتها تجاه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، واضعة ثلاثة شروط قبل الدخول في أي تفاهم مع الحكومة بشأن ملف سلاح الفصائل، في مقدمتها الانسحاب الكامل للقوات التركية والأميركية من العراق. كما لوّحت بالرد على ما وصفته بـ«الأفعال الاستفزازية» التي قالت إن الحكومة تنفذها بحق عناصر الفصائل وعائلاتهم.

وقال المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، في بيان، إن شروط ما وصفها بـ«المقاومة الإسلامية» لأي مقاربة حكومية لتنظيم ملف السلاح تبدأ بـ«الخروج الكامل والحقيقي» للقوات الأميركية من الأراضي والأجواء العراقية، وضمان عدم عودتها، فضلاً عن «تحرير» القرارين السياسي والاقتصادي من الهيمنة الأميركية.

أما الشرط الثاني، بحسب العساف، فيتمثل بانسحاب القوات التركية من شمال العراق، فيما طالب في الشرط الثالث بحل قوات البيشمركة.

ووجّه العساف انتقادات حادة إلى رئيس الوزراء العراقي، قائلاً إن الفصائل انتظرت لأكثر من مئة يوم على أمل أن يتعامل مع تعقيدات الوضع الداخلي والإقليمي والدولي، قبل أن يتهمه بعدم الاستماع إلى نصائح قوى سياسية عراقية، والاعتماد بدلاً من ذلك على ما وصفها بنصائح جهات أخرى والمبعوث الأميركي توم باراك.

وتأتي هذه التطورات قبل نحو ستة أسابيع من انتهاء المهلة التي حددتها القوى السياسية الرئيسية في العراق، والمقرر أن تنتهي في 30 أيلول، لإنهاء النشاط المسلح خارج الإطار الرسمي للدولة.

وكان ائتلاف إدارة الدولة قد أكد، في الخامس من آب/أغسطس، ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، معتبراً الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج إطار الدولة «خارجة عن القانون»، ومحذراً من أن أي نشاط مسلح يستمر بعد 30 أيلول سيُتعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب.