تزخر صفحات التاريخ الكردي بالعديد من القادة والشخصيات الذين ناضلوا بلا كلل من أجل الحرية والديمقراطية، إلا أن تفاصيل بدايات حياتهم ومحطات مسيرتهم النضالية لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق وإلقاء الضوء عليها. ويعد محمد أمين بنجويني واحداً من هذه الشخصيات التي قدمت الكثير وضحت كثيراً من أجل الشعب الكردي، وترك حضوراً واضحاً في الحياة السياسية والفكرية والثقافية.
ورأت وكالة "روج نيوز" أهمية تسليط الضوء على تاريخ نضال ومعاناة امتدا لعقود من حياة محمد أمين بنجويني، السياسي والكاتب الذي ترك بصمة في مسيرة الحركة السياسية والثقافية الكردية.
وفي سلسلة مؤلفة من خمسة أجزاء، تستعرض "روج نيوز" أبرز المحطات في حياة هذه الشخصية، ورغم أنه قد لا يتسنى لنا تناول جميع جوانب مسيرته، فإننا نسعى إلى تعريف الجيل الحالي بجزء مهم من حياته وتجربته النضالية.
الميلاد والنشأة
في بداية اللقاء، تحدث بنجويني عن تاريخ ولادته ومراحل دراسته، مشيراً إلى أنه ولد عام 1944 في قرية باشماخ التابعة لناحية مريوان في شرق كردستان. وكان واحداً من عشرة أبناء في الأسرة، إذ كان له ستة إخوة وأربع شقيقات، وكان الابن الثالث بين إخوته.
انتقل والد محمد أمين بنجويني إلى بنجوين، وبدأ هناك العمل في مجال التجارة، حيث كان ينقل البضائع والسلع بين شرق كردستان وإقليم كردستان، في الاتجاهين.
وفي بنجوين نشأ بنجويني وقضى سنوات طفولته الأولى، ويستعيد تلك المرحلة قائلاً: "كنت مثل أي طفل آخر في بنجوين، أعمل في البساتين والتجارة. وواصلت دراستي حتى المرحلة المتوسطة، ثم جئت إلى السليمانية والتحقت بالمدرسة الصناعية".
ومنذ سن مبكرة، بدأت تتشكل لدى بنجويني الأفكار الوطنية والسياسية، متأثراً بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها، وبالشخصيات التي كان يلتقيها في منزل أسرته.
بنجوين.. مجتمع متماسك في ظروف صعبة
يقول بنجويني إن الحياة في بنجوين خلال تلك الفترة كانت صعبة، وكانت البيوت صغيرة، لكنها كانت تتميز بعلاقات اجتماعية متينة وروابط قوية بين أفراد المجتمع.
فلم يكن أي بيت يتجاوز ثلاث غرف، وكان أهالي بنجوين يضطرون، مع حلول فصل الخريف، إلى إعداد مؤونة تكفيهم لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، بسبب تساقط الثلوج بكثافة. وفي بعض السنوات، كانت الطرق المؤدية إلى بنجوين تنقطع لمدة شهر أو شهرين، ما كان يجعل السكان يعتمدون على ما خزّنوه من مؤن خلال فصل الشتاء.
وفي عام 1958 أصبحت بنجوين ناحية. وكما يروي بنجويني، كان أهالي المنطقة في ذلك الوقت ينجزون أعمالهم بصورة جماعية، ويتعاونون فيما بينهم، ويقفون إلى جانب بعضهم بعضاً في الأفراح والأحزان. وفي أيام الأعياد، كانوا يجتمعون لتناول الطعام معاً في المسجد، في صورة تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة آنذاك.
كما كانت النساء يتحملن مسؤوليات المنزل، ويساهمن في تخفيف الأعباء عن الرجال. ولم تقتصر مشاركتهن على الأعمال المنزلية، بل كن يذهبن، شأنهن شأن الرجال، إلى الحقول والبساتين للمساعدة في الأعمال الزراعية، ويتمتعن بقدر من الاستقلالية داخل المجتمع.
"كاني حيات".. ذاكرة المكان
ويعود بنجويني بذاكرته إلى تلك الأيام، موضحاً أن بنجوين كانت تضم عين ماء تعرف باسم "كاني حيات"، تنحدر منها المياه وتقسم المدينة إلى منطقتين، هما حي "بركيو" و"بري كناو".
ولم يكن موقع بنجوين الجغرافي مجرد عامل طبيعي، بل كان له تأثير واضح في الحياة الاجتماعية والثقافية للسكان، إذ أدى قربها واحتكاكها المستمر بشرق كردستان إلى انفتاح أكبر على ثقافتها وأفكارها، كما كان لحركة التجارة ومرور أشخاص وشخصيات مختلفة بالمنطقة أثر في تشكيل وعي أبنائها.
ديوخانة الأسرة.. بوابة إلى السياسة والأدب
ويقول بنجويني: "لأن منزلنا كان يضم ديوخانة، كان الكثير من الناس يقصدون بيتنا، وخصوصاً السياسيين القادمين من شرق كردستان، وكان لذلك تأثير في تكويني".
ويضيف: "في ديوخانة بيتنا تعرفت إلى السياسة، وكذلك استمتعت بالشعر، ولا سيما أن والدي كان يحب الأدب. وكان شعراء تلك المرحلة، مثل الأستاذ قانع ومفتي بنجويني، يأتون إلى منزلنا، وقد استفدت منهم".
ويشير بنجويني إلى أنه سمع بنفسه من مسعود محمد أنه كان قد سمع من والده عن المكانة الأدبية التي كانت تتمتع بها بنجوين، وأنها كانت تضاهي مدناً ومراكز ثقافية مثل سنا وكويا وخانقاه بياره.
ولم تقتصر ذاكرة بنجويني عن بنجوين على الجانب السياسي والأدبي، بل يستذكر أيضاً وجود اليهود في المدينة، مشيراً إلى أنهم كانوا من أصحاب المهن والأعمال، وكان بينهم حرفيون يتمتعون بالمهارة في صناعاتهم.
من بنجوين إلى السليمانية
ومن هذه البيئة الاجتماعية والثقافية بدأت تتشكل ملامح مرحلة الشباب في حياة محمد أمين بنجويني. وبعد سنوات طفولته ونشأته في بنجوين، توجه إلى السليمانية بهدف مواصلة دراسته، وهناك انتقل إلى مرحلة جديدة من حياته، بدأت معها خطواته الأولى في العمل السياسي والوطني.
فقد حمل معه من بنجوين ذكريات مجتمع متماسك، وتجربة اجتماعية غنية، وتأثيرات سياسية وأدبية تلقاها منذ الصغر في ديوخانة أسرته، لتشكل جميعها جزءاً من الوعي الذي رافقه في مسيرته اللاحقة.
غداً.. تنشر "روج نيوز" الجزء الثاني من سيرة محمد أمين بنجويني، وتتناول فيه بداياته في السليمانية، ومراحل انتقاله من الدراسة إلى العمل السياسي، وأبرز المحطات التي شكلت مسيرته النضالية.
