بغداد

رغم مرور نحو أربعة أشهر على استكمال نقل سجناء تنظيم داعش إلى العراق، ما يزال هذا الملف بعيداً عن دائرة النقاش العام في ظل انشغال البلاد بملفات داخلية متشابكة، أبرزها الصراع السياسي والأزمات الاقتصادية وحصر السلاح، وحملة مكافحة الفساد إلا أن التحذيرات الأخيرة الصادرة عن وزارة العدل أعادت تسليط الضوء على القضية بعدما كشفت عن اكتظاظ في المؤسسات الإصلاحية نتيجة إيداع أكثر من 600 عنصر من التنظيم داخل سجن الكرخ المركزي عقب إخلائه بالكامل من نزلائه السابقين وبينما تؤكد الحكومة أن السجناء يخضعون لإجراءات أمنية مشددة، يطرح مختصون ومواطنون تساؤلات بشأن التداعيات الأمنية والإدارية لهذا الملف، وإمكانية تعامل العراق معه على المدى البعيد.

في المقابل، أكدت الحكومة العراقية السابقة برئاسة محمد شياع السوداني أن نقل معتقلي تنظيم داعش إلى العراق جاء بقرار سيادي من خلال التحالف الدولي، يهدف إلى حماية الأمن الوطني وإخضاع عناصر التنظيم للقضاء العراقي، مع اتخاذ إجراءات أمنية مشددة داخل المؤسسات الإصلاحية.

بناءً على ذلك، خصصت "روج نيوز" ملفاً كاملاً بشأن ذلك.

ويقول الباحث السياسي العراقي هاني عاشور لـ"روج نيوز"، إن الشارع العراقي ينظر بقلق إلى ملف نقل عناصر تنظيم داعش إلى البلاد، مبيناً أن خطورة الملف لا تقتصر على كلفته المالية، بل تمتد إلى تداعياته الأمنية.

وأضاف عاشور أن الذاكرة العراقية لا تزال تستحضر حادثة هروب عناصر التنظيم من سجن أبو غريب، وما تبعها من إعادة تنظيم صفوفهم وصولاً إلى سيطرتهم على مساحات واسعة من البلاد عام 2014.

وأشار إلى أن هؤلاء العناصر كانوا محتجزين في سجون تخضع لحماية قوات سوريا الديمقراطية، إلا أن التطورات التي شهدتها سوريا والتوترات مع النظام السوري الجديد أسهمت في تعقيد الملف، ما أدى إلى نقلهم إلى العراق بإشراف التحالف الدولي.

وتساءل عاشور عن توقيت هذه الخطوة، معتبراً أن الملف قد يتحول إلى "قنبلة موقوتة" في حال لم تتم إدارته أمنياً وقانونياً بشكل صارم.

وسام الزهروني/ عضو في روج نيوز: السجون العراقية مكتظة.. ولا حلول في الأفق لحسم ملف "سجناء داعش"

تستمر أزمة اكتظاظ السجون دون أي حلول واقعية أو حقيقية، ولا سيما بعد نقل سجناء داعش من سوريا إلى العراق، وهذا الملف بات منسياً لتزامنه مع تشكيل الحكومة الجديدة والتطورات الإقليمية، ما أوقف مساعي بغداد لإعادة هؤلاء السجناء إلى بلدانهم الأصلية، نظراً لأن بعضهم من أوروبا وآسيا وغيرها.

وتفاقم هذا الملف مؤخراً مع ارتفاع عمليات الاعتقال في العراق، سواء للمتهمين بجرائم المخدرات أو الجرائم الجنائية، إذ تتواصل عمليات القبض بشكل مستمر، وتعلن عبر بيانات رسمية، ما يشكل ضغطاً جديداً على السجون.

وصرح المتحدث باسم وزارة العدل، أحمد لعيبي، بأن المؤسسات الإصلاحية في العراق تعاني حالياً من اكتظاظ كبير، بعد تسلم العراق ستة آلاف عنصر من تنظيم داعش من السجون السورية، فيما أشار إلى وجود سجناء من 61 دولة يجري العمل على نقلهم إلى بلدانهم بعد استكمال الإجراءات القانونية.

وأضاف أن العراق يضم حالياً سجناء عرباً وأجانب من 61 دولة، مبيناً أن وزارة العدل أرسلت مشروع اتفاقية ومذكرة تعاون مع تلك الدول لغرض نقل المحكومين إلى بلدانهم بعد إكمال الإجراءات التحقيقية والقانونية الخاصة بهم.

محمد الشمري

وحول هذا الأمر، يقول النائب محمد الشمري، في تصريح لـ"روج نيوز"، إن "كل شيء يخرج عن حدود التخطيط يكون أثره عكسياً، وخاصة فيما يتعلق بالجانب الأمني ووجود الآلاف من السجناء المتهمين بجرائم خطيرة وينتمون إلى جماعات إرهابية متطرفة".

ويضيف أن "العراق يعاني اليوم من اكتظاظ شديد في السجون، من خلال جلب سجناء داعش من سوريا، وهو ما زاد من حجم الخطر في العراق، وهذا موضوع يجب إيجاد حلول سريعة له".

ويكمل: "هؤلاء السجناء يمثلون قنبلة موقوتة في العراق، ولا يمكن الاستمرار في تجاهل هذا الملف الخطير، وعلى الجهات المختصة أن تسارع إلى تدارك حجم هذه المخاطر".

وبالنسبة للمنظومة العراقية، يؤكد الشمري أن "المنظومة قوية جداً ولا يستهان بها، ولكن يجب أن تكون هناك قدرات استيعابية وتخطيط، وهنا يكمن الخطر".

وكان العراق قد طلب من المجتمع الدولي المساعدة المالية في ملف إيواء هؤلاء الدواعش وما يترتب عليه من تبعات كبيرة، خاصة أنه تحمل العبء الأكبر "نيابة عن دول العالم".

وبلغ عدد الدواعش المنقولين إلى العراق من سوريا 5704، بحسب بيان رسمي لمجلس القضاء الأعلى، وجرى نقلهم برعاية أميركية كاملة.

وصدر قرار نقلهم بالاشتراك بين التحالف الدولي والعراق، وبموافقة المجلس الوزاري للأمن الوطني، وتم احتجازهم في سجن المطار بعد توفير البنية التحتية اللازمة من حراسة وغيرها.

وكانت إذاعة مونت كارلو الدولية قد نقلت عن وزارة المالية العراقية أن كلفة إيواء سجناء تنظيم داعش تجاوزت 25 مليون دولار.

قاسم العسكري
قاسم العسكري

من جانبه، يبين الخبير الأمني قاسم العسكري، في تصريح لـ"روج نيوز"، أن "تنظيم داعش لا يزال يشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، ولا سيما في العراق وسوريا، من خلال قدرته على التمويل المالي والتجنيد عبر طرق متعددة، وأبرزها أسلوب الذئاب المنفردة".

ويتابع: "من ضمن سياسات التنظيم استغلال الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، رغم أن الحكومة العراقية أكدت أن داعش لم يعد يشكل خطراً حقيقياً على أمن واستقرار العراق".

ويستطرد أن "نقل سجناء داعش من سوريا إلى العراق، وعددهم يقارب سبعة آلاف داعشي، من سوريين وعراقيين وأفغان وشيشان وجنسيات آسيوية وأوروبية أخرى، موزعين على سجن الحوت وسجون عراقية أخرى، يجعل من وجودهم قنبلة موقوتة داخل العراق، كما حصل سابقاً عند استهداف السجون وتحرير قيادات داعشية أثرت في البلاد".

ويختم حديثه بالقول: "من هذا المنطلق يجب أن تكون هناك إدارة حقيقية لهذه السجون وأمنها، وتفويت الفرصة على أعداء العراق، خاصة أن وجود الدواعش في السجون العراقية ليس بإرادتنا، وإنما نتيجة إرادة خارجية".

وأثارت هذه الخطوة جدلاً كبيراً، إلا أن تطمينات رسمية أكدت أن هؤلاء المعتقلين قد يشكلون خطراً على العراق في حال إطلاق سراحهم في سوريا، بخلاف وجودهم في سجون عراقية مؤمنة، وهو ما ينهي كثيراً من الفرضيات بشأن تحركاتهم تجاه البلاد.

وجاء هذا القرار العراقي الأميركي المشترك بعد أن فرضت القوات الحكومية السورية سيطرتها على مناطق شمال شرقي سوريا، وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من السجون التي كانت تضم قادة داعش، وتسليمها إلى الدولة، ما أثار مخاوف من إطلاق سراحهم، وعليه تم نقلهم إلى العراق.

بغداد/ رامي الحمداني

صفاء الأعسم
صفاء الأعسم

يقول المستشار العسكري صفاء الأعسم لـ"روج نيوز"، إن العراق استقبل أكثر من ستة آلاف عنصر من تنظيم داعش، ضمن تفاهمات جرت بين العراق والولايات المتحدة وسوريا، موضحاً أن المعتقلين ينقسمون إلى عراقيين وأجانب، وأن التعامل معهم يتم وفقاً للقانون العراقي.

ويبين الأعسم أن العناصر غير العراقية الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين من المقرر إعادتهم إلى بلدانهم، أما الأجانب المتورطون بجرائم داخل العراق فسيخضعون للقضاء العراقي، وتنفذ بحقهم الأحكام القضائية، سواء كانت السجن المؤبد أو الإعدام وفقاً للقانون.

وأضاف أن العراق ملزم باستلام مواطنيه المنتمين إلى التنظيم، باعتبارهم يحملون الجنسية العراقية، مؤكداً أنهم سيحاكمون أمام القضاء العراقي على الجرائم المنسوبة إليهم.

وفي ما يتعلق بمخيم الهول، أوضح الأعسم أن الملف يختلف عن ملف المعتقلين، إذ يضم عائلات عناصر التنظيم من النساء والأطفال، مشيراً إلى أن الأطفال الذين تزيد أعمارهم على 13 عاماً ينقلون إلى مراكز أخرى، بينما يخضع من يثبت تقصيره أو ارتباطه بالتنظيم لإجراءات قانونية، في حين ينقل آخرون إلى مركز الأمل لإعادة التأهيل والدمج المجتمعي قبل إعادتهم إلى مناطقهم.

وأكد أن أماكن احتجاز عناصر داعش تخضع لإجراءات أمنية مشددة، وأنهم معزولون تماماً عن بقية النزلاء داخل المؤسسات الإصلاحية، نافياً وجود أي مخاوف حقيقية من احتمال هروبهم.

وأضاف أن بقاء هؤلاء داخل السجون العراقية أكثر أمناً من وجودهم في الجانب السوري، لافتاً إلى أنهم يخضعون لرقابة كاملة، فيما تتواصل الإجراءات القانونية بحقهم بصورة تدريجية حتى استكمال جميع ملفاتهم القضائية.

حسين الجاف
حسين الجاف

فيما يؤكد الخبير الأمني والمحلل السياسي حسين الجاف لـ"روج نيوز" أن الحكومة العراقية تتحمل المسؤولية الكاملة عن حماية السجون والنزلاء الموجودين فيها، مشدداً على أن عناصر تنظيم داعش المحتجزين باتوا في عهدة السلطات العراقية، التي تقع على عاتقها مسؤولية تأمينهم ومنع أي خرق أمني.

ويشير الجاف إلى أن أي تدخل خارجي في هذا الملف، سواء من أطراف دولية أو من بعض دول الجوار، يعد أمراً مرفوضاً، مؤكداً أن إدارة ملف السجون تمثل شأناً سيادياً عراقياً يجب أن يبقى بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية.

وأضاف أن على الحكومة العراقية تسخير جميع إمكاناتها لحماية المؤسسات الإصلاحية ومنع أي محاولة لهروب عناصر التنظيم، محذراً من أن عودة هؤلاء إلى النشاط مجدداً قد تشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار، بعد الجرائم التي ارتكبوها بحق العراقيين خلال السنوات الماضية.

ولفت إلى أن أي تهديد محتمل، سواء كان داخلياً أو خارجياً، يتطلب إجراءات أمنية استباقية وتعزيزاً لمنظومة حماية السجون، بما يضمن عدم تكرار سيناريوهات أمنية سابقة قد تنعكس سلباً على مستقبل العراق واستقراره.