وأكد رئيس الوزراء علي الزيدي، اليوم الاثنين، أن الوفد الحكومي والاقتصادي يتوجه إلى واشنطن بهدف ترجمة متانة العلاقات العراقية الأميركية إلى شراكات اقتصادية واستثمارية حقيقية.
وقال الزيدي، في تدوينة عبر منصة “إكس”، إن الزيارة تهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، والاقتصاد الرقمي، وشراكات التمويل.
وأضاف أن الهدف يتمثل في استقطاب الاستثمارات، ونقل الخبرات، وتنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل، بما يعزز مسيرة التنمية، ويكرس مكانة العراق شريكاً موثوقاً وعنصراً فاعلاً في استقرار المنطقة وازدهارها.
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية في ظل استمرار التوترات الإقليمية، والضغوط الأميركية المتواصلة لإنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة إلى جانب مساعي بغداد لإعادة صياغة علاقتها مع واشنطن والانتقال بها من الشراكة الأمنية إلى التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وبعد دقائق من صدور بيان "المقاومة الإسلامية في العراق" الذي تضمن تسع نقاط، شددت فيه على أن دعمها للحكومة في ملاحقة الفاسدين "لا يعني منحها تفويضاً مفتوحاً في سائر سياساتها، ولا يبرر تمرير مشاريع ترهن مستقبل الأجيال لشركات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالح الاحتلال"، مؤكدة أن عدداً من تلك الشركات يمتلك شراكات مع إسرائيل، عقد رئيس الوزراء علي الزيدي يوم أمس اجتماعاً موسعاً لائتلاف إدارة الدولة في القصر الحكومي بحضور رئيس الجمهورية نزار ئاميدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وعدد من قيادات الإطار التنسيقي.
وخلال الاجتماع، اطلع الحاضرون على الترتيبات والأهداف المتعلقة بالزيارة المرتقبة إلى الولايات المتحدة، كما بحثوا سبل توظيف نتائجها بما يخدم مصالح العراق ويعزز علاقاته الدولية.
وأكد المجتمعون دعمهم الكامل لحملة مكافحة الفساد، مشددين على ضرورة استمرارها وفق القانون، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو انتقائية، كما جددوا دعمهم للمضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، وتقوية سلطة القانون وترسيخ هيبة مؤسسات الدولة.
ويمنح الاجتماع رئيس الوزراء غطاءً سياسياً قبل توجهه إلى واشنطن خصوصاً أنه جاء في توقيت تزايدت فيه بيانات الرفض الصادرة عن الفصائل المسلحة التي تعتبر الزيارة محطة مفصلية في مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن.
بعد أشهر من الهدوء النسبي، عادت الفصائل المسلحة في العراق إلى إصدار بيانات حملت رسائل سياسية وأمنية واضحة، تزامناً مع قرب زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن، واستمرار الحكومة في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة.
"رفع الجاهزية"
البداية كانت مع بيان الأمين العام لكتائب حزب الله، أبو حسين الحميداوي، الذي أكد أن الكتائب تأسست "على يد شهيد الأمة (المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي) وبقرار منه"، مشيراً إلى أن عناصرها "ما زالوا يوالون هذا الخط"، ومعتبراً أن المشاركة الواسعة في مراسم تشييع خامنئي "أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب العراقي شعب مقاومة وجهاد".
وأضاف الحميداوي: "في هذا المنعطف التاريخي نلفت أنظار القادة السياسيين والمسؤولين الحكوميين إلى وجوب الانصياع لإرادة الشعب العراقي الأبي، والحذر الشديد من الانجراف في ركاب المشاريع الاستكبارية أو التماهي مع أجنداتها".

ولم تمض ساعات حتى أصدرت "المقاومة الإسلامية في العراق" بياناً آخر، أكدت فيه أنها لن تتوقف عند ما وصلت إليه، بل ستعمل على "تطوير قدراتها العسكرية والأمنية كماً ونوعاً، ورفع الجاهزية بما يتناسب مع حجم التحديات والتهديدات المتصاعدة التي يشكلها العدو الصهيوأميركي".
ويرى المحلل السياسي رمضان البدران، في حديث لـ"روج نيوز"، أن خطاب الفصائل التصعيدي "متوقع"، موضحاً أن كلما ازداد الضغط باتجاه تفكيك الفصائل أو حصر سلاحها، ارتفعت حدة الخطاب، وربما لا يقتصر الأمر على البيانات فقط.
ويقول البدران إن الفصائل "لا يبدو أنها تمتلك برنامجاً لإذابة نفسها داخل الواقع العراقي"، مشيراً إلى أن الظروف الإقليمية، ولا سيما ما تمر به إيران، جعلتها بحاجة إلى الاحتفاظ بأوراق الضغط المتاحة.
وأضاف أن طهران عندما تمارس ضغوطاً على دول الخليج فإنها تسعى إلى امتلاك أوراق تفاوض، "وهذا الأمر ينسحب أيضاً على العراق، وإن كان السيناريو مختلفاً"، مبيناً أن للفصائل "أجندات داخلية وأخرى خارجية تدفعها إلى زيادة الضغط داخل العراق".
وأشار إلى أن خطاب الفصائل "هو خطاب بقاء وصمود، يهدف إلى المحافظة على حضورها داخل البلاد، ويتناغم مع الحالة الإيرانية، فيما جاءت مظاهر التشييع الأخيرة لتؤكد وجود مساحة شعبية متماهية مع هذا الخط داخل الواقع الشيعي العراقي".
ويضيف أن عودة هذه البيانات في هذا التوقيت ليست منفصلة عن التطورات السياسية، بل تعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها الفصائل مع اقتراب الحكومة من تنفيذ مشروع حصر السلاح، إلى جانب الاستعداد لعقد مؤتمر خاص بالسلاح غير المنظم.
المقاومة ترفض الزيارة إلى واشنطن
وقبل ساعات من توجه رئيس الوزراء علي الزيدي إلى العاصمة الأميركية واشنطن، أعلنت "المقاومة الإسلامية في العراق" رفضها المبدئي للزيارة، معتبرة أنها تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً واستمراراً للحرب، وطرحت تسعة مطالب عدّتها إطاراً لموقفها من العلاقة مع الولايات المتحدة.
وقالت "المقاومة" في بيانها إن دعمها للحكومة في ملاحقة الفاسدين "لا يعني منحها تفويضاً مفتوحاً في سائر سياساتها، ولا يبرر تمرير مشاريع ترهن مستقبل الأجيال لشركات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالح الاحتلال"، مضيفة أن عدداً من تلك الشركات يمتلك شراكات مع إسرائيل.
وجددت التأكيد على أن استمرار وجود القوات الأميركية في العراق "يمثل احتلالاً"، مطالبة الحكومة بالعمل على إنهائه بمختلف الوسائل، وفق الجدول الزمني المعلن.
كما أعلنت رفضها التبادل التجاري أو إبرام العقود مع أي دولة "تكن العداء لشعبنا المقاوم أو تعمل على مصادرة القرار السياسي وهتك السيادة"، محذرة من استبدال "الاحتلال العسكري باحتلال اقتصادي أشد خطراً".
وأكد البيان أن تحرير الاقتصاد العراقي من "الهيمنة الأميركية" يعد من أولويات أي حكومة عراقية، داعياً إلى عدم تحويل السعي للحصول على القبول الدولي إلى "تنازل أو انبطاح لدول الاستكبار".
وشددت "المقاومة الإسلامية" على رفضها أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، سواء جاء عبر الاتفاقيات الإبراهيمية أو بأي مسمى آخر، مؤكدة أن تمثيل العراق في المحافل الدولية يجب أن يحافظ على سيادة البلاد ويعكس تضحيات الشعب العراقي.
كما طالبت بأن تُعرض أي معاهدة أو اتفاقية يعتزم أي وفد حكومي إبرامها على مجلس النواب للمصادقة عليها، محذرة من الالتفاف على الإجراءات القانونية من خلال تغيير مسميات الاتفاقيات إلى "مذكرة تفاهم" أو "إطار تعاون".
فيما حذرت من أي شركة احتكارية تسعى إلى استغلال ثروات العراق أو الاعتداء على حقوق شعبه، مؤكدة أن خيار الدفاع عن الوطن ومصالحه "سيبقى قائماً"، وأن سيادة العراق وحقوق شعبه "ليستا محل تفاوض".
ورغم لهجة البيان الحادة، فإنه تزامن مع تأكيد الحكومة العراقية أن زيارة واشنطن تأتي في إطار تنفيذ البرنامج الحكومي، وتهدف إلى تطوير العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة ولا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والطاقة.
الانتقال إلى العلاقة الاقتصادية
في المقابل، تؤكد الحكومة العراقية أن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن لا تقتصر على الجانب الأمني، وإنما تمثل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات العراقية الأميركية، تقوم على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وقال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، خلال مؤتمر صحافي حضره مراسل "روج نيوز"، إن الزيارة تأتي تجسيداً للمنهاج الوزاري، وتهدف إلى توطيد العلاقات بين العراق والولايات المتحدة.

وأوضح أن جدول أعمال الزيارة سيركز على تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، وتعزيز التعاون الثنائي بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب توقيع مذكرات تفاهم في مجالات النفط والغاز، وإدخال شركات أميركية متخصصة تسهم في رفع الطاقة الإنتاجية، وإيجاد منافذ تقلل من تأثيرات إغلاق مضيق هرمز على صادرات العراق النفطية.
كتلة بدر تعلّق على الزيارة
وفي السياق ذاته، عدّت كتلة بدر النيابية الزيارة "محطة مفصلية"، مؤكدة أنها تأتي في ظل ظروف إقليمية استثنائية تمر بها المنطقة والعراق.
وقال عضو الكتلة، حامد الموسوي، في حديث لـ"روج نيوز"، إن زيارة الزيدي تحمل ملفات استراتيجية، أبرزها تحويل العلاقة بين بغداد وواشنطن من علاقة يغلب عليها الطابع الأمني إلى شراكة اقتصادية واستثمارية.
وأضاف أن رئيس الوزراء يحمل تفويضاً من قوى الإطار التنسيقي وعدد من القوى السياسية لإبرام اتفاقات تتعلق باستكمال إنهاء الوجود العسكري الأميركي وفق الجداول الزمنية المتفق عليها، فضلاً عن بحث إنشاء صندوق للطاقة وتمويل صندوق التنمية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
وأشار الموسوي إلى أن ملفات الطاقة والاستثمار ستكون حاضرة بقوة على طاولة المباحثات، مبيناً أن الحكومة تتطلع إلى توسيع التعاون مع الشركات الأميركية في مجالات الطاقة والتنمية، بما يسهم في دعم الاقتصاد العراقي وفتح آفاق جديدة للاستثمار.
وفيما يتعلق بملف الفصائل المسلحة، أوضح أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل جزءاً من البرنامج الحكومي، وهو هدف عملت عليه الحكومات المتعاقبة، إلا أن تنفيذه يحتاج إلى ترتيبات وضمانات أمنية، كما يتأثر بالتطورات الإقليمية.
وأضاف أن استقرار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران سيكون عاملاً مؤثراً في هذا الملف، لأن أي انهيار في تلك التفاهمات ستكون له انعكاسات كبيرة على العراق والمنطقة، مؤكداً أن العراق يقف في قلب صراع إقليمي ودولي، الأمر الذي يتطلب دعماً دولياً وجهداً حكومياً متواصلاً لإنهاء المظاهر المسلحة وترسيخ الاستقرار الداخلي.
ورغم أن الحكومة العراقية بدأت خلال الأشهر الماضية خطوات عملية لحصر السلاح بيد الدولة، كان أبرزها تسلم سرايا السلام مقرها الرئيس في سامراء، ثم إعلان عصائب أهل الحق خطوات مماثلة، إلا أن العملية لم تسر بالوتيرة التي كانت تأملها بغداد، وسط استمرار رفض بعض الفصائل، وفي مقدمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء، الانخراط الكامل في المشروع.
وتشير مصادر سياسية إلى أن تعثر المشروع ارتبط بجملة عوامل، أبرزها مطالبة الفصائل بضمانات تحول دون ملاحقة قياداتها قضائياً أو استهدافها من قبل الولايات المتحدة، فضلاً عن استمرار التوتر الإقليمي الذي جعل ملف السلاح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت خلال السنوات الماضية عقوبات على عدد من قادة الفصائل العراقية، وأدرجت شخصيات وفصائل ضمن قوائم الإرهاب، كما نفذت عمليات استهدفت قيادات بارزة داخل العراق، وهو ما جعل ملف الضمانات أحد أبرز هواجس تلك الفصائل.
وخلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، أعلنت فصائل عراقية مسؤوليتها عن هجمات استهدفت منشآت عسكرية أميركية وأهدافاً في دول مجاورة، مؤكدة أن عملياتها جاءت دعماً لطهران، فيما استمرت بعض الهجمات حتى الأيام الأخيرة، الأمر الذي زاد من الضغوط الدولية على بغداد للإسراع في ضبط السلاح خارج إطار الدولة.
ويرى المحلل السياسي ماهر جودة أن الواقع السياسي بات مختلفاً عن البيانات التي تصدرها الفصائل، موضحاً لـ"روج نيوز" أن العملية السياسية تمضي باتجاه تنفيذ مشروع حصر السلاح، وأن جميع القوى باتت تدرك طبيعة المرحلة الجديدة التي يمر بها العراق.
ويقول جودة إن البيانات الأخيرة تعكس انزعاجاً سياسياً أكثر من كونها مؤشراً على مواجهة ميدانية، متسائلاً: "لمن تُوجَّه هذه البيانات؟ وهل العراق مقبل على مواجهة داخلية؟"، ليجيب بأن المشهد العام يشير إلى أن الجميع بات مضطراً للتعامل مع المتغيرات الجديدة التي فرضتها التطورات الإقليمية والدولية.
ويضيف أن المؤتمر المرتقب بشأن السلاح غير المنظم، والذي سيعقد خلال الأيام المقبلة، قد يكون أحد الأسباب المباشرة وراء صدور بيانات الفصائل، معتبراً أنها تمثل "خطوة استباقية" لمحاولة التأثير في مخرجاته، في ظل وجود دعم سياسي متزايد لمشروع حصر السلاح بيد الدولة.
