بغداد
سباق "الثروة الهائلة" في العراق
"لدينا العراق، بلد يمتلك الكثير من النفط، لديهم كميات هائلة لدرجة أنهم لا يعرفون ماذا يفعلون به"، بهذه الكلمات لخّص الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشرين الأول/أكتوبر 2025، نظرة إدارته إلى العراق، في تصريح حمل مؤشرات مبكرة على توجه أميركي لإعادة توسيع الحضور الاقتصادي في أحد أهم أسواق الطاقة في الشرق الأوسط.
ولم يمض وقت طويل حتى ترجم هذا التوجه إلى خطوات عملية، كان أبرزها تمديد حالة الطوارئ الوطنية الخاصة بالعراق لعام إضافي وهو إجراء يبقي عائدات النفط العراقي مودعة في حساب لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بالتزامن مع تصاعد اهتمام الشركات الأميركية بالدخول مجدداً إلى قطاع النفط العراقي بعد سنوات هيمنت خلالها الشركات الآسيوية، ولاسيما الصينية على معظم جولات التراخيص.

يكتسب هذا الاهتمام أهمية مضاعفة إذا ما أُخذت بنظر الاعتبار مكانة العراق النفطية؛ إذ يمتلك احتياطياً مؤكداً يتجاوز 145 مليار برميل، ويعد ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك فيما يضم جنوب البلاد أكثر من 20 حقلاً نفطياً بينها نحو 15 حقلاً رئيسياً منتجاً تتركز غالبيتها في محافظة البصرة التي تمثل القلب الاقتصادي لصناعة النفط العراقية وتنطلق منها غالبية صادرات الخام.
وفي الأيام الأخيرة، بدا هذا التحرك الأميركي أكثر وضوحاً بعدما وافق مجلس الوزراء العراقي على توقيع اتفاقية بين وزارة النفط ممثلة بشركتي نفط البصرة ونفط الشمال مع شركة شيفرون الأميركية شملت اتفاقية الدفعة المقدمة واتفاقية تأمين النفط الخام ورسالة الضمان في خطوة تستهدف زيادة الإنتاج وتعزيز قدرات القطاع النفطي.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ وافق المجلس أيضاً على توقيع شركة نفط البصرة اتفاقية مبادئ (HOA) واتفاقية سرية مع ائتلاف يضم شركة Capital TI الأميركية، وشركة UCC القطرية، وشركة شيفرون الأميركية، لتنفيذ مشروع أنبوب التصدير الاستراتيجي (البصرة – حديثة – كركوك – جيهان) إلى جانب مشروع أنبوب (البصرة – حديثة – بانياس) وهي مشاريع تمثل أحد أكبر مشاريع البنية التحتية النفطية في العراق خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه التحركات بعد نحو عامين من إطلاق العراق جولتي التراخيص الخامسة التكميلية والسادسة اللتين شهدتا فوز شركات صينية وآسيوية بمعظم العقود في وقت غابت فيه الشركات الأميركية عن المنافسة الأمر الذي يدفع إلى التساؤل، ما الذي تغيّر اليوم؟ ولماذا تسارعت عودة الشركات الأميركية إلى السوق النفطية العراقية؟
كتب وسام الزهروني- محرر في روج نيوز
بعد استعراض العقود والتحركات الحكومية الأخيرة يرى مختصون أن عودة الشركات الأميركية إلى العراق لا ترتبط بعقد أو مشروع بعينه وإنما تعكس تحركاً اقتصادياً واستراتيجياً أوسع، يستهدف استعادة موطئ قدم في أحد أكبر أسواق الطاقة العالمية بعد سنوات من تمدد المنافسين الآسيويين من أبرزها الصين.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير النفطي كوفند شيرواني في حديثه لـ"روج نيوز"، أن اهتمام الشركات الأميركية بالنفط العراقي يستند إلى عدة عوامل، في مقدمتها أن العراق يعد بلداً نفطياً ضخماً يمتلك احتياطيات مؤكدة تتجاوز 145 مليار برميل، فضلاً عن كونه ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك، ومن الدول القليلة التي ما تزال تمتلك طاقات إنتاجية إضافية يمكن استثمارها مستقبلاً.
ويشير شيرواني إلى أن الإدارة الأميركية وشركاتها تشعر بأنها فقدت جزءاً كبيراً من الفرص الاستثمارية خلال جولات التراخيص السابقة، بعدما استحوذت الشركات الآسيوية، ولاسيما الصينية، على معظم العقود، وهو ما يدفعها اليوم إلى محاولة تعويض تلك الفرص والحد من التوسع الصيني داخل قطاع الطاقة العراقي.
ويضيف أن الفرص الاستثمارية الجديدة التي حصلت عليها بعض الشركات الأميركية، سواء في استثمار حقل غاز عكاز أو حقلي ابن عمر والسندباد، تمثل بداية مرحلة جديدة من الحضور الأميركي، مؤكداً أن القطاع النفطي العراقي يمكن أن يستفيد من الخبرات الفنية والتكنولوجية التي تمتلكها الشركات الأميركية الكبرى.
ويرى شيرواني أن حجم الاستثمارات الأميركية مرشح لأن يتجاوز مئات الملايين من الدولارات، الأمر الذي سينعكس على زيادة إنتاج الحقول النفطية، وتعزيز مكانة العراق في أسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن رفع الإيرادات الحكومية، خاصة في ظل تحسن أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة.
وفي هذا السياق، أكدت السفارة الأميركية في العراق أن زيارة القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس إلى محافظة البصرة كانت "مثمرة للغاية"، مشيرة إلى أن لقاءاته مع المسؤولين العراقيين وممثلي كبرى الشركات الأميركية عكست التزام واشنطن بتوسيع استثماراتها في العراق، ولاسيما في قطاعي الطاقة والنقل البحري.
وأوضحت السفارة، في بيان عبر منصة "إكس"، أن الرسالة التي حملتها الزيارة كانت واضحة، ومفادها أن العراق يمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة، وأن الشراكة العراقية–الأميركية قادرة على إطلاق هذه الإمكانات من خلال زيادة الاستثمارات في مختلف القطاعات.
وتزامنت الزيارة مع إعلان وزارة النفط توقيع عقد الإدارة المتكاملة لتطوير حقلي ابن عمر والسندباد مع شركة هاليبرتون الأميركية، ضمن خطة حكومية تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية للنفط الخام والغاز المصاحب في الحقلين خلال خمس سنوات، والوصول بالإنتاج إلى 250 ألف برميل يومياً.
وأكدت الوزارة أن العقد يأتي في إطار تطوير الحقلين ورفع كفاءتهما الإنتاجية، مشددة على أنها ماضية في توقيع المزيد من العقود مع الشركات الأميركية، مع توفير الدعم اللازم وتذليل العقبات أمام تنفيذ المشاريع بما يخدم أهداف تطوير القطاع النفطي وتحقيق المصلحة العامة.
ويأتي ذلك في وقت يتمتع فيه العراق بموقع جغرافي يجعله من أهم الدول المؤثرة في صناعة النفط والغاز عالمياً، ليس فقط بسبب احتياطياته الضخمة، وإنما أيضاً لكونه يمثل نقطة ارتكاز لخطوط التصدير ومشاريع البنية التحتية الإقليمية، وهو ما يزيد من تنافس الشركات العالمية على الاستثمار فيه.
ولا تبدو هذه التحركات الاقتصادية منفصلة عن التطورات السياسية التي شهدتها العلاقات العراقية – الأميركية خلال الأشهر الماضية، إذ تزامنت مع انفتاح متزايد بين بغداد وواشنطن، شمل ملفات اقتصادية وأمنية واستثمارية، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت عودة الشركات الأميركية تأتي في إطار شراكة اقتصادية جديدة، أم ضمن منافسة أوسع على النفوذ داخل سوق الطاقة العراقي.
وإذا كان البعد الاقتصادي يمثل المحرك المباشر لعودة الشركات الأميركية، فإن مراقبين يرون أن الملف يتجاوز حدود الاستثمار إلى اعتبارات جيوسياسية ترتبط بموقع العراق في خارطة الطاقة العالمية وبالتنافس المتصاعد بين واشنطن وبكين على النفوذ الاقتصادي في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يقول المحلل السياسي نزار حيدر، في حديثه لـ"روج نيوز"، إن الاهتمام الأميركي لا يقتصر على العراق وحده، بل يأتي ضمن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائمة على فرض حضور اقتصادي في مناطق إنتاج الطاقة حول العالم.
ويضيف أن هذه الرؤية دفعت واشنطن إلى تكثيف حضورها في عدد من الدول المنتجة للنفط، سواء في فنزويلا أو منطقة الخليج أو العراق، انطلاقاً من قناعة بأن السيطرة على مصادر الطاقة تمثل أحد أهم عناصر النفاموذ الاقتصادي والسياسي خلال المرحلة المقبلة.
ويرى حيدر أن العراق يشكل سوقاً مهماً للشركات الأميركية، خاصة في ظل العلاقات الجديدة التي بدأت تتشكل بين بغداد وواشنطن، والقائمة على تبادل المصالح الاقتصادية، وهو ما يفسر التوجه نحو زيادة الاستثمارات الأميركية، ولاسيما في قطاع النفط، باعتباره القطاع الأكثر أهمية في الاقتصاد العراقي.
ويؤكد أن العراق يمكن أن يستفيد من هذه الاستثمارات، نظراً لحاجته إلى التكنولوجيا الحديثة والخبرات الفنية التي تمتلكها الشركات العالمية، لافتاً إلى أن إنتاج النفط والغاز العراقي ما زال دون الإمكانات المتاحة، سواء من حيث التكنولوجيا المستخدمة أو تطوير البنى التحتية.
ويضيف أن دخول الشركات الأميركية قد يعزز أيضاً شراكة العراق الاقتصادية مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، ولاسيما دول الخليج، الأمر الذي قد ينعكس على تنفيذ مشاريع استراتيجية تسهم في تطوير قطاع الطاقة.
كتب رامي الحمداني- مراسل روج نيوز في بغداد

في المقابل، يبدي النائب العراقي عبد الحمزة الخفاجي تحفظات على التوسع في التعاون مع الجانب الأميركي، مشيراً إلى أن الحكومة تتحدث عن تصدير 500 ألف برميل يومياً تخصص عائداته لتمويل مشاريع استراتيجية خارج سقف حصص "أوبك+"، لكنه أعرب عن مخاوفه من إدارة المفاوضات مع الجانب الأميركي، معتبراً أن التجارب السابقة لم تحقق ـ من وجهة نظره ـ نتائج اقتصادية ملموسة للعراق، سواء على مستوى المشاريع أو الاتفاقيات الموقعة.
ويرى الخفاجي أن نجاح أي اتفاقات مستقبلية يبقى مرهوناً بقدرة الحكومة العراقية على ضمان تحقيق المصلحة الوطنية، وتحويل الاستثمارات الأجنبية إلى مشاريع تنموية حقيقية تنعكس على الاقتصاد المحلي.

ومن زاوية اقتصادية، يذهب المحلل الاقتصادي ذوالفقار العوادي إلى أن الاهتمام الأميركي بالنفط العراقي تحكمه مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية في آن واحد، مشيراً إلى أن العراق يمتلك موقعاً استراتيجياً في قلب الشرق الأوسط، إلى جانب احتياطيات نفطية تقارب 145 مليار برميل، ما يجعله أحد أهم الأسواق النفطية في العالم.
ويقول العوادي لـ "روج نيوز" إن الولايات المتحدة، رغم تحولها إلى أحد كبار منتجي النفط، ما زالت حريصة على استقرار السوق العالمية للطاقة، لأن أسعار النفط تخضع لعوامل العرض والطلب، وأي اضطراب في الأسواق ينعكس على الاقتصاد العالمي.
ويضيف أن دخول الشركات الأميركية إلى العراق ينبغي النظر إليه من زاوية اقتصادية أيضاً، لأنه يفتح الباب أمام جذب استثمارات جديدة ونقل التكنولوجيا والخبرات، مؤكداً أن العراق بحاجة إلى الانفتاح على مختلف الاقتصادات العالمية، وليس الارتهان إلى شريك واحد.
ويعرب العوادي عن تفاؤله بإمكانية تحقيق إصلاحات اقتصادية خلال المرحلة المقبلة، داعياً الحكومة إلى استثمار هذه الفرص بالتوازي مع دعم القطاع الخاص العراقي، عبر إصلاح القطاع المصرفي، وتوفير التمويل، وتعديل التشريعات التي تعيق الاستثمار، بما يخلق فرص عمل ويقلل من اعتماد الاقتصاد على القطاع العام وحده.
كتب علي السالم- مراسل روج نيوز في البصرة
ويبرز هذا التوجه الأميركي بصورة أوضح في محافظة البصرة، التي تمثل مركز صناعة النفط العراقية، إذ يرى مختصون أن غالبية المشاريع الجديدة تستهدف المحافظة التي تنتج ما بين 70 و80 في المئة من النفط العراقي، وتضم أكبر الحقول النفطية وموانئ التصدير الرئيسة.
وفي هذا السياق، يقول الأكاديمي العراقي محمد عبدالإله حسن خلال حديثه لـ"روج نيوز"، إن الاتفاقات الأخيرة مع الشركات الأميركية، ومنها شركة KBR، تأتي ضمن توجه أوسع لإعادة إدخال الشركات الأميركية الكبرى إلى قطاع الطاقة والبنية التحتية في العراق، ولاسيما في جنوب البلاد.
ويشير إلى أن الاتفاقات لا تقتصر على تنفيذ مشاريع نفطية، بل تشمل أيضاً أعمالاً استشارية ودراسات لمشاريع استراتيجية، إلى جانب استمرار حضور الشركات الأميركية في تطوير بعض الحقول النفطية، فضلاً عن مشاركتها في الدراسات الأولية الخاصة بخطوط الأنابيب الاستراتيجية التي وافقت عليها الحكومة العراقية مؤخراً.
ويحدد عبدالإله ثلاثة دوافع رئيسية لهذا التوجه، يتمثل أولها في رغبة العراق بجذب التكنولوجيا والخبرات ورؤوس الأموال الأميركية لرفع كفاءة إدارة الحقول النفطية والبنية التحتية، فيما يتمثل الدافع الثاني بتنويع الشركاء الدوليين، بعد سنوات من توسع الشركات الصينية في مشاريع النفط والطاقة العراقية، أما الدافع الثالث فهو توجيه رسالة طمأنة للمستثمرين بأن العراق ما زال يمثل سوقاً استثمارية واعدة رغم التحديات.
ويضيف أن اختيار البصرة لم يكن مصادفة، فهي تضم أكبر الاحتياطيات النفطية العراقية، وتحتضن حقولاً عملاقة مثل الرميلة ومجنون وغرب القرنة، فضلاً عن احتضانها الموانئ التي يمر عبرها معظم النفط المصدر، ما يجعلها نقطة الانطلاق الطبيعية لأي استثمار جديد في قطاع الطاقة.
ويرى عبدالإله أن المنافسة الأميركية ـ الصينية في العراق مرشحة للتصاعد، لكنها ستبقى منافسة اقتصادية أكثر منها سياسية، موضحاً أن الصين تمتلك اليوم حضوراً واسعاً في تطوير الحقول النفطية ومشاريع الكهرباء والبنية التحتية ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة جزء من حصتها عبر شركات مثل Chevron وHalliburton وKBR، خاصة في المشاريع التي تتطلب تقنيات متقدمة.
ويؤكد أن مصلحة العراق تكمن في إدارة هذا التنافس بحياد، والاستفادة من مزايا الطرفين؛ فالصين توفر التمويل وسرعة التنفيذ، بينما تقدم الولايات المتحدة التكنولوجيا والخبرة الفنية، الأمر الذي قد يمنح بغداد شروطاً تفاوضية أفضل ويزيد من حجم الاستثمارات إذا أُحسن استثمار المنافسة بين الجانبين.

ومن جانبه، يقول رئيس اللجنة الأمنية في البصرة عقيل الفريجي إن الاستقرار الأمني والاقتصادي الذي تشهده المحافظة خلال السنوات الأخيرة أسهم في جذب اهتمام عدد من الشركات العالمية، ومنها شركة KBR، موضحاً خلال حديثه لـ "روج نيوز" أن الحكومة المحلية تعمل على فتح باب المنافسة أمام الشركات الأجنبية والمحلية وفق الضوابط القانونية وآليات التعاقد الحكومية.
ويشير إلى أن البصرة تمتلك اليوم بيئة استثمارية أفضل من السابق، بفضل الاستقرار الأمني والقانوني، وهو ما شجع المزيد من الشركات العالمية على التقدم بمشاريع استثمارية، معرباً عن أمله في أن يسهم ذلك في تسريع وتيرة التنمية العمرانية والاقتصادية في المحافظة.
