رحلة البحث عن شقة في منطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد باتت أشبه برحلة مريض مزمن يبحث عن علاج لا يجده، ينتقل من مكتب عقاري إلى آخر ويطالع عشرات العروض لكنه يصطدم في كل مرة بأسعار مرتفعة لا تتناسب مع واقع الشقق ولا مستوى الخدمات حتى أصبح العثور على سكن مناسب بسعر معقول مهمة شاقة تستنزف الوقت والمال معاً.
في يوم الأحد الماضي، عند الساعة الثالثة ظهراً، كنت أستقل حافلة نقل صغيرة (كوستر)، كما تُعرف محلياً في العراق وبينما كنت أراقب الشوارع، لفت انتباهي إعلان معلق في أحد الأزقة الضيقة بمنطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد. على الفور طلبت من السائق أن يتوقف لأقرأ تفاصيله، فإذا به إعلان كتب فيه: "شقة للإيجار، تبلغ مساحتها 80 متراً"، مع رقم هاتف للتواصل.
فكرت حينها أن سعرها قد يكون مناسباً لشخص يعيش بمفرده أو مع صديق يتقاسم معه السكن، حتى وإن كانت بسيطة. في تلك اللحظة اتصلت بالرقم، فجاءني الرد: "تفضل إلى مكتب العقار (ع. س) الساعة السادسة مساءً". أجبته: "تمام"، وانتهت المكالمة.
وبالفعل، عند الموعد المحدد، توجهت إلى مكتب العقار بعد أن تواصلت مع صاحبه. بدأ الحديث بالأسئلة المعتادة التي يطرحها معظم أصحاب المكاتب، لكن ما أثار استغرابي كان سؤاله عن لقبي وقوميتي، وكأن الحصول على سكن بات مرتبطاً بالهوية أو الانتماء المناطقي أكثر من أي شيء آخر.
وبعد انتهاء الحديث، سألته عن بدل الإيجار، فأجابني قائلاً: "تعال أولاً وشاهد الشقة، فهي قريبة من المكتب". رافقته إليها، لكن الواقع كان مختلفاً تماماً عما رسمته في مخيلتي. كانت شقة متواضعة، تضم غرفة واحدة وصالة ومطبخاً وملحقات بسيطة، ولا ترتقي حتى إلى المستوى المتوسط.
سألته مرة أخرى عن السعر، فأجاب من دون تردد: "700 دولار شهرياً". كان المبلغ، برأيي، مبالغاً فيه جداً بالنسبة لشقة لا تضم سوى غرفة واحدة.
اكتفيت بالرد قائلاً: "السعر مرتفع للغاية مقارنة بما رأيته". فأجابني بهدوء: "هذا هو السعر، لأنك ستسكن في قلب العاصمة"، عندها أنهيت الحديث وغادرت المكان، وأنا أفكر: هل أصبحت أزمة السكن في بغداد أزمة أسعار فقط، أم أنها باتت أزمة خيارات أيضاً؟
بعدها، عدت إلى الشارع وأخذت أراقب الإعلانات المعلقة على الجدران وأعمدة الكهرباء. عشرات الأوراق تحمل العبارة نفسها: "للإيجار". لكنني كنت أدرك أن ما يكتب على الورقة شيء، وما ينتظر المتصل بها شيء آخر. فخلف كل إعلان تبدأ رحلة من الأسئلة عن اللقب، والمنطقة، والراتب، ثم تنتهي غالباً بسعر يصعب تقبله.
فقد أخذت أقارن بين ما رأيته وبين ما شاهدته في مدن أخرى. مثلاً في بغداد، ترتفع أسعار الإيجارات عاماً بعد آخر لكنك لا تلمس تطوراً مماثلاً في مستوى السكن أو الخدمات في المقابل، تجد في مدن بإقليم كردستان مجمعات سكنية أكثر تنظيماً وخدمات أفضل، وبأسعار قد تكون مقاربة، وأحياناً أقل. فالمستأجر قد يدفع مئات الدولارات مقابل شقة متواضعة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط مقومات الراحة، بينما يجد في مدن أخر ومنها مدن في إقليم كردستان، خيارات سكنية أفضل من حيث التنظيم والخدمات مقابل أسعار تبدو أكثر توازناً.
ما يثير الاستغراب أن أزمة السكن في بغداد لا تبدو مرتبطة بنقص المساكن وحده إذ بغياب رؤية واضحة لتنظيم سوق الإيجارات. فلا توجد من وجهة نظري، آليات رقابية فاعلة تحد من الارتفاعات الكبيرة في الأسعار ولا معايير واضحة تربط قيمة الإيجار بمواصفات العقار أو الخدمات التي يقدمها الأمر الذي ترك المستأجر أمام سوق تحكمه اجتهادات المكاتب العقارية والمالكين أكثر مما تحكمه قواعد أو ضوابط.
وربما لا يحتاج ملف السكن إلى مزيد من الوعود، بقدر ما يحتاج إلى سياسات تنظم السوق، وتحمي حق المالك والمستأجر معاً، وتعيد شيئاً من التوازن إلى مدينة بات العثور فيها على شقة مناسبة رحلةً شاقة حتى لمن يملك القدرة على الدفع.
