خطوات الحركة الكردية

بعد يومين من دعوة قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان في 27 شباط 2025، أعلن حزب العمال الكردستاني وقفًا أحادي الجانب لإطلاق النار، ثم عقد مؤتمره الثاني عشر خلال الفترة من 5 إلى 7 أيار من العام نفسه، وأعلن عن حل نفسه وإنهاء استراتيجية الكفاح المسلح ووقف جميع الأنشطة العسكرية التي كانت تتم باسم الحزب.

وفي 11 تموز، أقدم ثلاثون مقاتلًا من الكريلا، بقيادة بسا هوزات، الرئيسة المشتركة لمنظومة المجتمع الكردستاني، على إحراق أسلحتهم في مراسم رمزية أقيمت داخل كهف جاسنة قرب حدود محافظة السليمانية، في خطوة اعتبرت رسالة تؤكد الاستعداد لإنجاح عملية السلام.

كما أعلنت قيادة الحركة في 26 تشرين الأول 2025 سحب قواتها من المناطق الحدودية التي قد تشهد احتكاكات مع الجيش التركي، لتجنب أي مواجهات قد تؤثر في العملية السياسية.

وفي 16 تشرين الثاني 2026 أكدت القيادة أنها سحبت جميع الوحدات الموجودة في مناطق التماس إلى مواقع أخرى أكثر أمنًا، بهدف منع أي اشتباكات عسكرية.

جهود قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان ووفد إمرالي

بالتوازي مع تلك الخطوات، واصل عبد الله أوجلان، بحسب المقربين منه، العمل على إنجاح عملية السلام، مؤكدًا في رسائله ضرورة الانتقال إلى مرحلة “الاندماج الديمقراطي”، عبر إصدار قوانين خاصة بالسلام، وإرساء أسس مجتمع ديمقراطي، ووضع إطار قانوني ينظم الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وخلال أكثر من عام وأربعة أشهر، أجرى وفد إمرالي التابع لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب لقاءات متكررة مع مختلف القوى السياسية التركية، إضافة إلى مسؤولين كبار في الدولة، بهدف إعداد مسودة قانون تراعي المطالب الكردية.

ووصف أوجلان القانون المنشود بأنه “القانون الأساسي” أو “القانون الإطاري”، باعتباره المدخل القانوني لتنظيم عملية السلام.

وفي آخر لقاء جمعه بوفد إمرالي في 24 أيار 2026، قدم أوجلان خارطة طريق لمشروع القانون، تضمنت محاور تتعلق بطبيعة القانون، وآليات تنفيذ العملية، وتحديد أدوار الجهات المشاركة فيها.

ماذا فعلت الدولة التركية؟

في المقابل، يرى مراقبون أن الدولة التركية لم تقدم حتى الآن خطوات عملية موازية، باستثناء تشكيل لجنة داخل البرلمان التركي لمتابعة الملف، وهو ما وافقت عليه الأطراف الكردية رغم تسجيلها ملاحظات وانتقادات على آلية عمل اللجنة.

وكان من المفترض أن تبدأ الإجراءات التشريعية بعد عيد الفطر الماضي، إلا أن المشروع تأجل أكثر من مرة، من رمضان إلى نيسان، ثم إلى حزيران، من دون أن يتم تقديم أي مشروع قانون رسمي.

وخلال الفترة نفسها، شهدت الساحة السياسية التركية تطورات أخرى، من بينها إجراءات قضائية وسياسية استهدفت حزب الشعب الجمهوري، وهو ما اعتبره بعض المراقبين محاولة لإدارة الوقت وتأجيل الاستحقاقات المرتبطة بملف السلام.

مشروع قانون مثير للجدل

في حزيران بدأت وسائل إعلام مقربة من الحكومة التركية نشر معلومات عن مسودة قانون يجري إعدادها لعرضها على البرلمان، وكشفت بعض تفاصيلها.

وبحسب تلك التسريبات، فإن القانون سيكون مؤقتًا ويطبق لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد ثلاثة أشهر أخرى بقرار من البرلمان، وسيحمل اسم “قانون تنظيم حل التنظيم”، مع التأكيد على أنه يخص حزب العمال الكردستاني فقط، ولا يشمل أي تنظيم آخر، كما أنه لا يسمح بتنظيم مراسم استقبال جماعية للعائدين.

وتقسم المسودة المستفيدين إلى عدة فئات

فالأشخاص الذين لم يشاركوا في القتال، ولم يرتكبوا -بحسب السلطات التركية-أي جرائم، سيتمكنون من العودة، ويقدر عددهم في المرحلة الأولى بنحو خمسة آلاف شخص، على أن يخضعوا لإجراءات قضائية.

أما الذين شاركوا في القتال، فسيخضعون أيضًا للمحاكمة، مع إمكانية تخفيف الأحكام الصادرة بحقهم، بينما تنفذ الأحكام التي تتراوح بين خمس وعشر سنوات خارج السجون وتحت المراقبة، مع منعهم من العمل في مؤسسات الدولة أو ممارسة النشاط السياسي خلال مدة العقوبة.

وفي المقابل، تستثني المسودة عبد الله أوجلان وقيادات الصف الأول في الحزب من أحكامها، مع طرح مقترحات تقضي بنقل بعض القيادات إلى دول مثل جنوب أفريقيا أو فنلندا أو النرويج، بينما يبقى وضع أوجلان القانوني دون تغيير، مع استمرار عزله وعدم منحه أي وضع قانوني جديد.

كما تنص المسودة على مراجعة أوضاع السجناء السياسيين بشكل فردي، من دون إصدار عفو عام، وهو ما أكده رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش، الذي قال إن القانون “لن يتضمن عفوًا عامًا”.

في المقابل، يؤكد مسؤولو حزب المساواة وديمقراطية الشعوب أن أي قانون يجب أن يكون شاملًا وغير قائم على التصنيف بين الفئات المختلفة.

تأجيل جديد

ورغم التوقعات بإحالة مشروع القانون إلى البرلمان خلال حزيران، تأجل الأمر مرة أخرى، مع إعلان تأخير عطلة البرلمان، والإشارة إلى أن المشروع قد يعرض بعد انتهاء قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تستضيفها تركيا خلال تموز، إلا أن التقديرات تشير إلى أن إقراره قد يؤجل إلى الخريف.

وخلال الاجتماع التشاوري الثالث والثلاثين لحزب العدالة والتنمية برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان، جرى التأكيد على ضرورة الإسراع في تقديم المشروع، إلا أن الاجتماع شدد أيضًا على انتظار تقارير جهاز الاستخبارات التركية والأجهزة الأمنية بشأن إخلاء الأنفاق والتأكد من تخلي أكثر من 80 بالمئة من مقاتلي الحزب عن السلاح قبل اتخاذ أي خطوة.

ويرى مراقبون أن الحكومة التركية تربط تقدم عملية السلام بتسليم السلاح، بينما ترفض الحركة الكردية أي طرح يقوم على الاستسلام أو التصنيف.

موقف الحركة الكردية

في 12 حزيران، أكد مراد قريلان، عضو القيادة العامة لقوات الدفاع الشعبي، أن المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني لم يقرر تسليم السلاح، وإنما أعلن وقف استراتيجية الكفاح المسلح، مشددًا على أن أي قرار بشأن السلاح مرتبط بقيادة عبد الله أوجلان شخصيًا، وباتخاذ خطوات قانونية وسياسية حقيقية.

كما أصدرت منظومة المجتمع الكردستاني في 2 تموز بيانًا حذرت فيه من فرض حلول أحادية، مؤكدة أنها لن تقبل بأي قانون يفرض من طرف واحد دون حوار مباشر مع أوجلان، معتبرة أن أي مشروع يحدد مسبقًا شكل القانون ومضمونه دون التشاور مع الحركة يمثل محاولة لفرض الأمر الواقع.

وأضافت أن القرارات المتعلقة بالحزب يجب أن تكون جماعية وشاملة، وليس عبر إجراءات أحادية الجانب.

نفي من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب

وخلال الأيام الماضية تداولت وسائل إعلام تركية أن مشروع القانون عرض على عبد الله أوجلان، إلا أن المتحدثة باسم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، عائشة غول دوغان، نفت تلك الأنباء، مؤكدة أن الحزب لا يمتلك أي معلومات بهذا الشأن، وأن وفد إمرالي لم يلتق بأوجلان منذ أكثر من أربعين يومًا، كما أن ظروف احتجازه لم تشهد أي تحسن.

وفي السياق نفسه، كشف الأكاديمي خيري هازار غول أن أوجلان سبق أن قدم للدولة مشروعًا يتكون من سبع مواد، إلا أن السلطات التركية لم ترد عليه حتى الآن.

مستقبل العملية

في الوقت الذي تؤكد فيه الحركة الكردية أن أي تسوية يجب أن تشمل الاعتراف بالحقوق الدستورية للكرد، وضمان الحقوق اللغوية والثقافية، وإطلاق سراح عبد الله أوجلان، ووضع إطار قانوني يسمح بعودة المقاتلين إلى شمال كردستان وتركيا، يرى منتقدون أن السياسة التركية لا تزال تركز على نزع السلاح أكثر من تركيزها على معالجة جذور القضية الكردية.

ويحذر متابعون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تعثر عملية السلام، ويزيد من احتمالات عودة التوترات الأمنية، في ظل تمسك كل طرف برؤيته لمستقبل العملية السياسية.