ورغم وجود "شكوك" بهذه العملية أو أنها جاءت بـ"الاتفاق"، لكنها باتت خطوة لتضييق الخناق، وسط دعوات لتبني الحكومة لهذه العمليات إعلاميًا، وتشكيل قوة ضغط على الفصائل لإنهاء وجودها.
ومساء الجمعة، حاصرت قوة أمنية إحدى الفصائل المسلحة، المنضوية في الحشد الشعبي، بمنطقة جرف النداف في أطراف العاصمة، حيث يضم معملًا للطائرات المسيّرة، التي كانت تُطلق سابقًا باتجاه السفارة الأميركية ومطار بغداد العسكري.
ووفقًا للمصادر، فإن العملية شهدت تبادل إطلاق نار بين القوة الأمنية والفصيل في المقر، ولم تُعلن بعدها أي نتائج عن العملية بشكل رسمي.
وحول هذا الأمر، يقول المحلل السياسي، باسم الخزرجي، في تصريح لـ"روج نيوز"، إن "عملية محاصرة مقر إحدى الفصائل المسلحة في بغداد، هي بحد ذاتها تعتبر تطورًا إلى حد ما، وهذا التطور مرتبط بزيارة رئيس الحكومة علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، حيث طلب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلقاء القبض على منفذي عمليات إطلاق الصواريخ على السفارة الأميركية في بغداد، وتسليمهم للولايات المتحدة حصرًا".

ويضيف أن "ما حدث ليلًا، عبر تطويق المقر ومحاصرته، وهو تابع لفصيل معروف، وله غطاء سياسي، جاء لكون المقر في داخله معملًا للطائرات المسيّرة، التي كانت تُطلق سابقًا باتجاه السفارة الأميركية ومطار بغداد العسكري".
ويشير إلى: "أخشى أن تكون هذه العملية متفقًا عليها مسبقًا، بمعنى أن الفصيل علم بموعد الاقتحام وأفرغ المقر من الأفراد، ولكنه لن يستطيع، مثلًا، حماية المعمل الذي تُصنع فيه الطائرات أو المواد الأولية الموجودة فيه، وأخرج منه ما يستطيع، مثل الوثائق، خشية فضح اسم معين أو انتماء الفصيل واسم صاحب المكان".
ويكمل: "لكن بالمجمل، فإن العملية هي تضييق الخناق على هذه الفصائل، ويجب أن يرافقها خطاب إعلامي من رئيس الوزراء تحديدًا، وعليه أن يظهر بعد كل عملية مداهمة، هو أو من يمثل وزارة الداخلية، ببيان يدين فيه الفصائل المنفلتة ويدعو إلى ردعها ونزع سلاحها".
ويرى أن "المطلوب الآن بيان صريح يتحدث عن هذه العمليات، ومجرد ظهور بيان علني عن المداهمة يمثل تبنيًا صريحًا وواضحًا لعملية نزع سلاح الفصائل، حتى وإن كان شكليًا، لكنني أتوقع ألّا يصدر مثل هذا البيان".
ويختم حديثه بـ"ما يرتبط بهذا الموضوع أيضًا، هو زيارة الزيدي لإيران، حيث نقل لهم بشكل مؤكد مطالبات الولايات المتحدة بحل الفصائل ونزع سلاحها ورفع يد إيران عنها، وعن تهريب هذه الفصائل الدولار إلى طهران".
وكان رئيس الحكومة علي الزيدي، أكد قبل أيام، أن العراق لا يملك خيارًا سوى استعادة السيطرة الكاملة على السلاح، وأن أي جماعات مسلحة يجب أن تختار بين تسليم أسلحتها أو الاندماج ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية.
وكشف الزيدي عن توجه حكومته لوضع جدول زمني لإنهاء ملف الجماعات المسلحة، موضحًا أن بعض الفصائل أبدت استعدادها لتسليم السلاح أو إعادة تنظيم وضعها ضمن مؤسسات الدولة.
ومن المفترض أن تنسحب قوات التحالف الدولي من العراق في أيلول المقبل، وهو الموعد النهائي للفصائل المسلحة لتسليم سلاحها، وانطلاق مؤتمر حصر السلاح، وقد أكد الزيدي ذلك خلال لقائه مع ترامب في واشنطن.
وقبيل زيارة الزيدي لواشنطن، أعلنت المقاومة، في بيان جديد، رفضها لزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة الأميركية، وأكدت: "نعلن في المقاومة الإسلامية رفضنا المبدئي لهذه الزيارة التي تتزامن مع غليان قلوب المؤمنين والأحرار في العالم حزنًا وكمدًا إزاء استمرار تلك الجرائم البشعة".
ومؤخرًا بدأ العراق بعملية حصر السلاح بيد الدولة، وقد سلمت سرايا السلام مقرها الرئيس في سامراء، ولحقت بها عصائب أهل الحق، لكن العملية لم تسر بشكل طبيعي، وسط حديث عن عدم منح الفصائل ضمانات من الدولة بعدم الملاحقة، سواء من قبل القانون أو الولايات المتحدة، إلى جانب بقاء فصائل "هي الأبرز" بعمليات الاستهداف، خارج معادلة "الحصر"، ومنها كتائب حزب الله وحركة النجباء.
وسبق للولايات المتحدة أن عاقبت قادة وشخصيات ضمن الفصائل، بينها حركة عصائب أهل الحق، وأدرجتها ضمن قوائم الإرهاب، واستهدفت قيادات بعمليات اغتيال في مناطق مختلفة بالعاصمة.
إلى ذلك، يبين المحلل السياسي، عبدالله الكناني، في تصريح لـ"روج نيوز"، أن "العديد من الإشكالات موجودة في الساحة العراقية بسبب النزاع الأميركي الإيراني وتطاير المسيّرات في العراق، خاصة على إقليم كردستان، ولهذا قال الزيدي بأننا سنكون بلدًا خاليًا من السلاح، وهو يتحمل هذه المسؤولية، ونزعه أصبح أمرًا لا مفر منه".

ويؤكد أن "المرجعية الدينية أيضًا طالبت بهذا الأمر، ونحن نطالب ليس فقط بنزع السلاح، وإنما توحيد الخطاب السياسي، وممكن أن تقوم الدولة بمحاصرة فصيل والصدام مع آخر، ويحدث هذا لأن الأمور تحتاج إلى تفاهم سياسي، والفصائل، بعضها يلتزم بنزع السلاح، والأخرى رفضت ذلك".
ويشير إلى أن "كل الفصائل يجب أن تذهب نحو تسليم سلاحها، وعلى الحكومة أن تصارح الشارع العراقي، خاصة في موضوع العثور على مصنع للمسيّرات، وأن تعلن عن الجهة التي تقف وراءه".
ويلفت إلى أنه "يجب التركيز على أن العراق مقسم إلى منطقتين، الأولى لإيران والثانية لأميركا وتركيا والسعودية وغيرها من الأطراف الخارجية الفاعلة، بالتالي يجب الذهاب نحو توحيد الموقف الداخلي وحصر السلاح بيد الدولة من أجل إنهاء النزاع الحالي".
ومنذ بدء الحرب على إيران، أعلنت فصائل مسلحة عراقية مسؤوليتها عن هجمات استهدفت منشآت عسكرية أميركية ودولًا مجاورة، في إطار ما وصفته تلك الفصائل بدعم لطهران، وقد استمرت هذه الفصائل في استهداف دول الخليج، حتى قبل يومين.
وتضغط الولايات المتحدة منذ عام، بشكل حاد، على الحكومة العراقية لإنهاء دور الفصائل المسلحة وحلها والسيطرة على السلاح خارج الدولة، كما اشترطت ألّا تشارك الفصائل في الحكومة الجديدة، خاصة بعد أن حصلت على عدد كبير من المقاعد النيابية.
وكان الإطار التنسيقي، الذي يجمع القوى الشيعية الحاكمة في العراق، قد فوض رئيس الوزراء علي الزيدي باتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد، مع تأييد مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، في موقف عُدّ عمليًا غطاءً سياسيًا للزيدي للتحرك في ملف الفصائل.
