ويؤكد مختصون أن مبدأ عدم سريان القوانين بأثر رجعي يعد من الضمانات الأساسية لاستقرار المعاملات القانونية، إذ يحمي الحقوق المكتسبة ويمنع المساس بالمراكز القانونية التي نشأت في ظل قوانين نافذة. إلا أن تطبيق التعديل على عقود زواج أبرمت قبل نفاذه أثار اعتراضات واسعة، دفعت ناشطات في مجال حقوق المرأة إلى المطالبة بإعادة تقييم التعديل بعد مرور عام على دخوله حيز التنفيذ.
الأثر الرجعي… عقد الزواج يتحول بإرادة طرف واحد
وفي هذا الإطار، قالت المحامية وعضو تحالف 188 للدفاع عن قانون الأحوال الشخصية، مروة عبد الرضى، إن التعديل الذي أصدره مجلس النواب بموجب التعديل رقم (1) لسنة 2025، وألحق بالمدونة الجعفرية، استثنى المرأة تماماً من أي قرار يتعلق بعقد الزواج، وكأن العقد أصبح يُدار ويُعدّل من طرف واحد.
https://rojnews.video/v/b2ydHC
وأضافت أن أخطر ما رافق التعديل هو تطبيقه بأثر رجعي على عقود زواج أُبرمت قبل صدوره، إذ أصبح الزوج قادراً على اتخاذ قرار تحويل عقد الزواج إلى المدونة الجعفرية بإرادته المنفردة، من دون الرجوع إلى الزوجة أو أخذ موافقتها.
وأكدت أن عقد الزواج، سواء وفق قانون الأحوال الشخصية رقم 188 أو وفق المدونة الجعفرية، هو عقد بين طرفين، وبالتالي فإن أي تعديل عليه يجب أن يتم بإرادة الطرفين معاً، وليس بقرار يصدر من أحدهما فقط.
وأضافت أن العقود التي أُبرمت بعد صدور المدونة يمكن أن تخضع لها إذا اتفق الطرفان على ذلك، أما العقود السابقة فلا يجوز، من الناحية القانونية، تحويلها إلى المدونة بأثر رجعي، لأن ذلك يعني تغيير الحقوق والالتزامات التي استقرت عند إبرام العقد.
تباين إجراءات المحاكم… المرأة تبلغ أحياناً وتستبعد أحياناً أخرى
وأوضحت المحامية أن تطبيق التعديل داخل المحاكم لم يكن موحداً، إذ اكتفت بعض المحاكم بتبليغ الزوجة بأن الزوج طلب تحويل العقد إلى المدونة، فيما لم تقم محاكم أخرى حتى بإشعارها بوجود الدعوى أو الطلب.
وأضافت أن هذا التباين في الإجراءات خلق حالة من الإرباك القانوني، وأثر بصورة مباشرة على النساء، لأن بعضهن وجدن أنفسهن أمام تغيير في مركزهن القانوني من دون أن يكون لهن أي دور أو حتى علم بالإجراءات.
وترى أن هذه الممارسات أوجدت حالة من انعدام الاستقرار النفسي لدى النساء، لأن المرأة أصبحت تشعر بأن الحقوق التي استقرت عليها لسنوات يمكن أن تتغير بقرار منفرد، وهو ما يهدد الشعور بالأمان القانوني داخل الأسرة.
تغليب طرف على آخر… حماية الأسرة لا تتحقق بإقصاء المرأة
وأكدت أن الهدف المعلن من التعديل كان حماية الأسرة، إلا أن ما حدث عملياً هو تغليب مصلحة طرف على حساب الطرف الآخر.
وقالت إن حماية الأسرة تقتضي مراعاة حقوق جميع أفرادها، لا منح أحد الزوجين صلاحيات أوسع على حساب الآخر، لأن ذلك يهدم مبدأ الشراكة الذي يقوم عليه عقد الزواج.
وأضافت أن الأثر الرجعي منح الزوج سلطة تغيير المرجعية القانونية للعقد، بينما بقيت الزوجة خارج دائرة اتخاذ القرار، رغم أنها طرف أصيل في العلاقة الزوجية.
اختلاف المراكز القانونية… نساء بحقوق مختلفة داخل البلد الواحد
وأشارت مروة عبد الرضى إلى أن من أخطر نتائج الأثر الرجعي أنه أوجد اختلافاً في المراكز القانونية للنساء داخل الدولة الواحدة.
وأضافت أن امرأة قد تبقى خاضعة لقانون الأحوال الشخصية رقم 188، بينما تخضع امرأة أخرى للمدونة الجعفرية، فتختلف الحقوق والواجبات بينهما رغم أنهما تعيشان في البلد نفسه.
وقالت إن الحديث عن اعتماد مدونة سنية مستقبلاً يعني توسيع هذا التعدد في المراكز القانونية، الأمر الذي يثير إشكاليات قانونية ومجتمعية كبيرة، لأن المواطنين سيصبحون خاضعين لأنظمة قانونية مختلفة في القضايا ذاتها.
الحضانة… التنفيذ الجبري يهدد الاستقرار النفسي للأطفال
وأضافت أن آثار الأثر الرجعي لم تقتصر على عقد الزواج، وإنما امتدت إلى ملفات الحضانة.
وأوضحت أن تنفيذ بعض قرارات الحضانة يتم بصورة جبرية، إذ يُنقل الطفل من والدته بالقوة، وهو ما وصفته بأنه تنفيذ "عسكري" لا يراعي الحالة النفسية للأطفال.
وأكدت أن الطفل الذي عاش سنوات مع والدته لا يمكن نقله بصورة مفاجئة من بيئة إلى أخرى من دون مراعاة وضعه النفسي والاجتماعي والتعليمي.
وقالت إن مصلحة الطفل يجب أن تكون الأساس في جميع القرارات، فإذا كانت مصلحته تقتضي البقاء مع والده فينبغي أن يكون ذلك وفق آليات تراعي حالته النفسية، وليس عبر التنفيذ الفوري.
وأضافت أن قانون 188 كان يحتاج إلى معالجة بعض الثغرات المتعلقة بالحضانة والمشاهدة، إلا أن المدونة الجديدة، بحسب رأيها، لم تقدم حلولاً أفضل، بل كرست مشكلات جديدة ومنحت أفضلية أكبر للأب.
عام على التعديل… دعوات لمراجعة التجربة
وقالت عضو تحالف 188 إن مرور عام على التعديل يستوجب مراجعة حقيقية لما أفرزه من نتائج، داعية المشرع العراقي إلى دراسة الآثار التي ترتبت عليه، سواء في ما يتعلق بالأثر الرجعي أو الحضانة أو النفقة أو استقرار الأسرة.
وأضافت أن الحديث عن تحقيق الاستقرار الأسري ينبغي أن يستند إلى نتائج واقعية، متسائلة عما إذا كان التعديل قد حقق فعلاً هذا الهدف، أم أنه أدى إلى زيادة المشكلات القانونية والاجتماعية والنفسية.
وأكدت أن النساء والقانونيين يواصلون المطالبة بإعادة تقييم التعديل، ومعرفة الحاجة الحقيقية التي استدعت إجراءه، وما إذا كان قد عالج مشكلات قانون الأحوال الشخصية السابق، أم أنه أوجد تحديات جديدة انعكست على النساء والأطفال والأسرة العراقية.
أقر مجلس النواب العراقي التعديل الأول لقانون الأحوال الشخصية رقم (1) لسنة 2025، والذي نص على اعتماد مدونات للأحوال الشخصية وفق الانتماءات المذهبية (المدونة الجعفرية). ومنذ دخوله حيز التنفيذ، تصاعد الجدل بشأن تطبيق بعض أحكامه بأثر رجعي على عقود زواج أُبرمت قبل نفاذه، وهو ما دفع منظمات نسوية وتحالف 188 وعدداً من القانونيين إلى المطالبة بإعادة النظر في آليات التطبيق، محذرين من تأثيرها على الحقوق المكتسبة للنساء، ووحدة النظام القانوني، واستقرار الأسرة العراقية.
