لم تكن رحلة سكان مخمور مجرد انتقال من منطقة إلى أخرى، بل مسيرة طويلة من الألم والصمود بدأت منذ مغادرتهم قراهم في شمال كردستان، مروراً بثمانية مواقع، وصولاً إلى مخيم الشهيد رستم جودي في مخمور، حيث استقروا بعد سنوات من التنقل والبحث عن مكان آمن.

واليوم، وبعد 32 عاماً من اللجوء، تبرز قضية العودة مجدداً في ظل الحديث عن عملية السلام وبناء المجتمع الديمقراطي، وما قد تفضي إليه دعوات قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان. فهل تفتح هذه المرحلة الباب أمام عودة كريمة للاجئي مخمور، أم أن رحلة الصمود ستتواصل؟

لكن كيف يمكن أن يعود لاجئو مخمور؟

وماذا كان سيحدث لهم لو لم يغادروا مناطقهم؟ وإلى أي مدى كان يمكن أن تصل مسيرة نضال الشعب الكردي من دونهم؟ ولماذا اضطروا إلى ترك قراهم ومناطقهم؟ ومن دفعهم إلى الرحيل؟ ولماذا اختاروا التوجه نحو إقليم كردستان؟ وما الذي كانوا يأملون في تحقيقه، وماذا حدث لهم بعد وصولهم؟

وبعد مغادرتهم شمال كردستان، لماذا تعرضوا للهجمات؟ ولماذا تنقلوا بين ثمانية مواقع عايشوا فيها ظروفاً قاسية من الألم والصمود؟ ولماذا لم يجدوا الاستقرار في المناطق الواقعة تحت جبل قره جوغ والمناطق الصحراوية، قبل أن يستقروا في مخمور؟ ومع إطلاق عملية السلام وبناء المجتمع الديمقراطي، كيف يمكن لهؤلاء اللاجئين العودة بعد 32 عاماً من اللجوء؟ وما شروطهم ومطالبهم؟

إنها قصة صمود استثنائي، تختلط فيها ذاكرة الألم بتجربة النضال، ويجاور فيها الانتظار الأمل بعودة كريمة. هذه هي قصة اللاجئين المقيمين في مخيم الشهيد رستم جودي في مخمور.

في هذه السلسلة من الملفات، نحاول الإجابة عن الأسئلة التي رافقت رحلة اللجوء، ونتتبع أسبابها ومراحلها، وما رافقها من معاناة وصمود، كما نستعرض قصة المواقع الثمانية التي تنقل إليها سكان مخمور، منذ مغادرتهم مناطقهم وحتى وصولهم إلى المخيم الذي استقروا فيه.

وسنعتمد في هذه السلسلة على المعلومات التي حصلنا عليها من سكان المخيم، إلى جانب شهادات أشخاص عايشوا تلك الأحداث وكانوا شهوداً على مراحل مختلفة منها.

لماذا اضطروا إلى اللجوء؟

في الجزء الأول، نتناول أسباب هجرة سكان المخيم من شمال كردستان، والظروف التي دفعتهم إلى مغادرة قراهم ومناطقهم، وصولاً إلى قرار اللجوء.

قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال واضحة للوهلة الأولى، لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا توجه هؤلاء السكان تحديداً نحو إقليم كردستان؟

تكمن أهمية هذا السؤال في أن سكان تلك المناطق يقولون إنهم تلقوا رسالة واضحة بمغادرة قراهم والتوجه إلى شمال العراق، في إشارة إلى إقليم كردستان. وبحسب رواياتهم، تزامنت تلك المرحلة مع عمليات تهجير واسعة، وإفراغ قرى من سكانها، وتدمير ممتلكات، ووقوع أعمال قتل واعتقال وانتهاكات، ما دفع آلاف الكرد إلى ترك مناطقهم.

وفي تسعينيات القرن الماضي، شهدت مناطق كردية في تركيا عمليات إخلاء واسعة للقرى، بالتزامن مع تصاعد المواجهات بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية، تعرض السكان لضغوط متزايدة، فيما واجهت محاولات المقاومة الشعبية سياسات أمنية وعسكرية مشددة، شملت الاعتقالات والتعذيب وإخلاء القرى، وفق شهادات سكان تلك المناطق.

وكان السكان، بحسب رواياتهم، يرفضون الانخراط في مجموعات مسلحة محلية تقاتل الحركة الكردية، ولا سيما في ظل ما يقولون إنه استخدام مجموعات كردية مسلحة في مواجهة الحركة.

ومع تصاعد هذه السياسات، توجه آلاف الكرد إلى المدن الكبرى داخل تركيا، فيما غادر آخرون البلاد باتجاه أوروبا. أما آلاف آخرون، وكان من بينهم عدد كبير من أبناء منطقة بوطان، فاتجهوا نحو جنوب كردستان، بعد أن اضطروا إلى مغادرة مناطقهم تحت ضغط العمليات العسكرية والتهجير.

وبحسب شهادات من سكان تلك المناطق، مُنح بعض الأهالي مهلاً محددة لمغادرة قراهم، وسط مخاوف من تعرضها للقصف والعمليات العسكرية في حال بقائهم.

"أجبرنا على اللجوء بالقوة والاضطهاد"

وحول أسباب لجوء سكان مخيم الشهيد رستم جودي في مخمور، يتحدث الأستاذ حسين كارا، الذي عاش بين سكان المخيم منذ الأيام الأولى، وكان شاهداً على عدد من الأحداث والهجمات التي رافقت رحلة اللجوء وما خلفته من معاناة وصمود.

ويوضح كارا أن السبب الرئيسي وراء هجرة سكان مخمور كان، بحسب روايته، السياسات التي اتبعتها الدولة التركية تجاه القضية الكردية، والتي يقول إنها اعتمدت على القوة والعسكرة بدلاً من الحل السياسي.

ويقول كارا: "أُجبرنا على اللجوء بالقوة والاضطهاد".

ويضيف أن الدولة التركية حاولت، وفق روايته، التعامل مع القضية الكردية عبر الوسائل العسكرية واستخدام أدوات العنف، إلى جانب دعم أو إنشاء مجموعات مسلحة محلية لمواجهة الحركة الكردية، متهماً تلك المجموعات بارتكاب انتهاكات وعمليات قتل بحق الكرد.

ويشير كارا إلى أن آلاف القرى أُفرغت من سكانها خلال تلك المرحلة، ويقول إن الهدف كان إنشاء مجموعات مسلحة داخل القرى واستخدامها في مواجهة الحركة الكردية، إلا أن السكان رفضوا، بحسب شهادته، حمل السلاح ضد أبناء شعبهم.

ويضيف أن رفض السكان الانخراط في تلك المجموعات أدى، وفق روايته، إلى تصعيد الضغوط والعمليات العسكرية، وصولاً إلى دفعهم نحو مغادرة قراهم واللجوء إلى مناطق أخرى.

ويقول: "كانت الدولة تقول لهم: اتركوا قراكم واذهبوا إلى العراق، هناك دولة كردية، اذهبوا إليها".

ويشير كارا إلى أن مسؤولين في الدولة التركية أدلوا، بحسب قوله، بمثل هذه التصريحات في 15 نيسان/أبريل 1994، في وقت كانت السلطات تفرض قيوداً على السكان وتمنعهم من الوصول إلى المناطق الجبلية وممارسة الزراعة، ما جعل استمرار الحياة في قراهم أمراً بالغ الصعوبة.

ويقول إن أمام السكان خيار الانتقال إلى المدن الكبرى داخل تركيا، لكنهم، بحسب شهادته، واجهوا فيها أيضاً ظروفاً صعبة ومظاهر من الاضطهاد، الأمر الذي جعل اللجوء خارج مناطقهم خياراً اضطرارياً بالنسبة إليهم.

ويختم كارا بالقول إن السكان تركوا قراهم ولجأوا إلى مناطق أخرى بحثاً عن الأمان والحفاظ على حياتهم وكرامتهم.

غداً.. الجزء الثاني

إلى أين توجه سكان مخمور بعد مغادرة قراهم؟ وأين كانت محطتهم الأولى؟ وكيف كانت أوضاع أول مخيم أقاموا فيه؟ ومن كان مسؤولاً عنه؟ وكيف حصلوا في البداية على صفة اللجوء السياسي؟

في الجزء الثاني، نواصل سرد رحلة سكان مخمور، من محطات اللجوء الأولى، مروراً بالظروف التي واجهوها في كل محطة، وصولاً إلى المخيم الذي استقروا فيه لاحقاً.