وأقر المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، بوجود أزمة مالية تمر بها البلاد، مؤكداً أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الصحة بشأن المشهد المالي كانت "دقيقة وواقعية".

وأوضح العبودي أن الاحتياجات الشهرية للعراق كبيرة، مشيراً إلى أن آلية صرف الرواتب لن تكون كما في السابق، إذ ستتأخر أحياناً لحين اكتمال السيولة المالية لدى وزارة المالية، ولا سيما مع استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الإيرادات النفطية.

وجاء ذلك بعد تصريحات لوزير الصحة عبد الحسين الموسوي، أكد فيها أن الحكومة تحتاج إلى نحو 10.8 تريليون دينار شهرياً لتأمين رواتب الموظفين، مشيراً إلى أن أزمة السيولة انعكست أيضاً على عمل الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية (كيماديا)، التي لم تتسلم سوى 15% من موازنتها، الأمر الذي أدى إلى تعطل التعاقدات الجديدة وتهديد إمدادات الأدوية.

وقال الموسوي، في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع: "فلوس ماكو.. همّ الحكومة فقط توفير الرواتب من 1 إلى 29 بالشهر"، مبيناً أن الأولوية الحكومية باتت تتركز على تأمين رواتب الموظفين.

وفي السياق ذاته، كشف وزير المالية العراقي فالح الساري عن وجود عجز مالي يعرقل استكمال صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، مشيراً إلى أن إجمالي الالتزامات الشهرية للرواتب يبلغ نحو 7.8 تريليون دينار.

وبحسب الساري، الذي نقل النائب حيدر المطيري تصريحاته في بيان رسمي، فإن السيولة المتوفرة حالياً تقدر بنحو تريليون ونصف التريليون دينار، وتسعى الوزارة إلى رفعها إلى تريليون و650 مليار دينار تمهيداً لإطلاق رواتب المتقاعدين.

وباتت أزمة الرواتب والسيولة النقدية الشغل الشاغل للعراقيين خلال الأشهر الماضية، خاصة مع تكرار تأخر صرف الرواتب في عدد من مؤسسات الدولة، حيث تبدأ عملية التوزيع عادة بالمؤسسات الأمنية قبل بقية الدوائر، الأمر الذي أثار مخاوف من استمرار الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

حلول

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري، في تصريح لـ"روج نيوز"، إن "الحكومة لم تصدر حتى الآن أي تصريح يفيد بعدم قدرتها على دفع الرواتب، وما تزال هناك إمكانية لتأمينها، خاصة في ظل العلاقة الجيدة مع الولايات المتحدة والبنك الفيدرالي، فضلاً عن رغبة واشنطن في دعم نجاح الحكومة العراقية، وهو ما ظهر خلال الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن".

ويضيف أن "ملف الرواتب لن يؤثر على الوضع الاقتصادي في البلاد، لأن جميع التصريحات الحكومية تؤكد أنها مؤمنة حتى نهاية العام، كما أن وزير الصحة ليس الجهة المختصة بإدارة هذا الملف، وإنما وزارة المالية".

ويؤكد الشمري أن العراق مطالب بالتحرك سريعاً لتنويع منافذ تصدير النفط عبر الأنابيب الممتدة إلى سوريا والسعودية، مشيراً إلى أن خط ميناء ينبع السعودي قادر على نقل نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً، فيما يستطيع الخط السوري نقل مليوني برميل، إلى جانب خط جيهان، وهو ما يقلل من الاعتماد على مضيق هرمز ويعزز استقرار الإيرادات.

كما دعا إلى تخفيض رواتب الدرجات الخاصة وأعضاء مجلس النواب وتقليص امتيازاتهم التقاعدية، فضلاً عن اعتماد سلم رواتب موحد لجميع الوزارات، بما يسهم في تخفيف الضغط على الموازنة التشغيلية.

وتأخرت عملية توزيع الرواتب خلال الشهر الحالي، إذ لم تستلم سوى دائرتين حتى الآن، وسط توقعات باستكمال التوزيع مطلع شهر آب، بعدما كانت الرواتب تصرف عادة ابتداءً من اليوم الخامس والعشرين من كل شهر.

وأدى تكرار تأخر صرف الرواتب إلى حالة من الركود في الأسواق العراقية، بالتزامن مع تزايد التذمر الشعبي والقلق من إمكانية استمرار الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

وتشير بيانات وزارة المالية لعام 2025 إلى أن الإيرادات العامة تجاوزت 114 تريليون دينار، منها نحو 100 تريليون دينار من النفط، بما يمثل قرابة 88% من إجمالي الإيرادات، مقابل إيرادات غير نفطية بلغت 13.4 تريليون دينار.

وفي المقابل، بلغت النفقات الجارية 106.7 تريليون دينار، بينها 55 تريليون دينار لرواتب الموظفين، و17.3 تريليون دينار للمتقاعدين، و5.1 تريليون دينار للرعاية الاجتماعية، ما يعكس استمرار اعتماد المالية العامة بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية لتمويل النفقات التشغيلية.

وكان رئيس كتلة الإعمار والتنمية، بهاء الأعرجي، قد قال في لقاء متلفز قبل أكثر من شهرين، إن "آخر راتب سيدفع للموظفين في العراق سيكون للشهر الخامس المقبل".

ويأتي ذلك في وقت توقف فيه العراق عن تصدير النفط منذ شهر، مع اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وإغلاق طهران مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على الإيرادات النفطية.

وضع قلق

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي دريد العنزي، في تصريح لـ"روج نيوز"، إن "الوضع الاقتصادي في العراق يدعو إلى القلق، كما كشفت الأحداث الأخيرة عن وجود مصاريف كبيرة وملفات فساد وسرقات بمليارات الدنانير".

وأضاف أن "تصريحات وزير الصحة بشأن الرواتب تثير الاستغراب، لأن هذا الملف من اختصاص وزارة المالية أو رئيس الوزراء والجهات المعنية، ولا ينبغي أن تصدر مثل هذه التصريحات من مسؤول غير مختص لما تسببه من قلق لدى ملايين المواطنين".

وأشار العنزي إلى أن "البنك المركزي ووزارة المالية أكدا سابقاً أن الرواتب مؤمنة حتى نهاية العام، كما أن العراق يتلقى مبالغ شهرية من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فضلاً عن وجود أكثر من 33 جهة حكومية تمتلك إيرادات يومية بالدينار والدولار".

ودعا رئيس الوزراء إلى توجيه المسؤولين بعدم الإدلاء بتصريحات تتعلق بملف الرواتب إلا من خلال الجهات المختصة، مؤكداً أن هذا الملف يحتاج إلى خطاب حكومي موحد يطمئن المواطنين ويحافظ على الاستقرار الاقتصادي.

وفي تطور متصل، كشفت مصادر، أمس، عن وجود نقص في السيولة لدى عدد من المصارف الأهلية، ما قد يدفع إلى دمج بعضها، وسط حديث عن احتمال إغلاق المصارف التي تعاني ضعفاً في الأصول أو تعجز عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، مع ضمان التعامل مع حقوقهم وفق الضوابط القانونية المعتمدة.

وخلال الأسابيع الماضية، كثفت الحكومة العراقية مباحثاتها مع عدد من دول الجوار لإعادة تفعيل منافذ التصدير البديلة سواء عبر خطوط الأنابيب الممتدة إلى ميناء جيهان التركي أو من خلال مشروع خط الأنابيب مع السعودية باتجاه ميناء ينبع على البحر الأحمر فضلاً عن مناقشة إعادة تشغيل الخط العراقي ـ السوري، في مسعى لتنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على منفذ واحد.