ومع تراجع حدة الحرب، انتقل الاهتمام داخل العراق إلى مستقبل هذه الفصائل وسلاحها، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الأميركية وتحرك الحكومة لتنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، وتكثف أطراف حكومية وسياسية اتصالاتها لتجنب أزمة أمنية جديدة في وقت يواجه فيه البلد صعوبات اقتصادية وخلافات سياسية وتراجعاً في مستوى الخدمات.
وجاء رئيس الوزراء علي الزيدي إلى السلطة نتيجة اتفاق سياسي جمع القوى المشاركة في الحكومة لكنه اختار خطاباً أكثر وضوحاً تجاه قضايا الفساد والسلاح والعلاقات الخارجية وهي ملفات يصعب تأجيلها في المرحلة الحالية.
وتتحرك حكومة الزيدي وفق خطة تقوم على توسيع الاستثمارات وفتح فرص اقتصادية جديدة، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتعزيز العلاقات مع الدول المؤثرة.
وترى الحكومة أن نجاح هذه الخطة يحتاج إلى استقرار أمني وقرار عسكري واحد يخضع للمؤسسات الرسمية.
ويعد ملف السلاح من أبرز العقبات أمام جذب الاستثمارات لأن الشركات الأجنبية تبحث عن بيئة مستقرة وقوانين نافذة ومؤسسات قادرة على حماية المشروعات والعاملين فيها لذلك تحاول الحكومة تقديم حصر السلاح على أنه جزء من الإصلاح الاقتصادي، وليس إجراءً أمنياً فقط.
ويتطلع العراقيون إلى إجراءات تعيد ثقتهم بالدولة بعد سنوات من الأزمات وسوء الخدمات والفساد. وقد لاقت خطوات ملاحقة عدد من المسؤولين المتهمين بالفساد اهتماماً شعبياً كما وجد الحديث الصريح عن حصر السلاح دعماً لدى شرائح ترى أن الاستقرار يبدأ من خضوع الجميع للقانون.
ويظل هذا الدعم مرتبطاً بجدية التنفيذ وعدالته، فالمواطن يريد رؤية إجراءات تشمل جميع الأطراف ولا تتوقف عند الجهات الضعيفة أو الشخصيات محدودة النفوذ كما ينتظر نتائج واضحة يمكن قياسها على الأرض، بعيداً عن البيانات والوعود.
بالمقابل، تؤكد الحكومة مضيها في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة مع اقتراب 30 أيلول، وهو الموعد المحدد لإنهاء أي نشاط مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
وتزداد المخاوف مع استمرار بعض الفصائل المنضوية في الحشد الشعبي بالتمسك بسلاحها وعدم إعلانها موقفاً واضحاً من آلية التسليم والاندماج الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات سياسية وأمنية صعبة.
وكان ائتلاف إدارة الدولة قد أكد أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 أيلول 2026 سيواجه وفق قانون مكافحة الإرهاب، وشدد على منع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار وحصر قرارَي الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية.
ويمثل هذا الموقف انتقالاً من الدعوات السياسية إلى وضع مهلة محددة تترتب عليها إجراءات قانونية كما يضع الحكومة أمام مسؤولية تنفيذ ما أعلنته ويضع الفصائل أمام خيار تحديد مستقبلها داخل مؤسسات الدولة.
قد تؤدي المواجهة المباشرة مع الفصائل إلى اضطراب أمني يصعب احتواؤه خصوصاً أن هذه التشكيلات تمتلك عناصر مسلحة ونفوذاً سياسياً واجتماعياً في عدد من المحافظات، ويعني استمرار الوضع الحالي بقاء قرار السلاح موزعاً خارج المؤسسات الرسمية واستمرار احتمال استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية لا تخدم مصالح البلاد.
لهذا لا يظهر حل عملي سوى دمج عناصر الفصائل في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفق القانون والحاجة الفعلية والمعايير المهنية مع توفير مسارات مدنية واقتصادية للعناصر التي لا يمكن استيعابها داخل هذه المؤسسات.
كما أنه لا يعني الدمج تغيير أسماء الفصائل أو منحها صفات رسمية مع الاحتفاظ بقياداتها وسلاحها وقراراتها المستقلة. الدمج الحقيقي يتطلب إنهاء التشكيلات المسلحة المنفصلة وتسليم أسلحتها إلى الدولة، وإخضاع أفرادها لسلسلة قيادة واحدة.
كما يحتاج هذا المسار إلى تدقيق ملفات المنتسبين وتحديد المؤهلين للخدمة وإعادة تدريبهم، وضمان حقوقهم القانونية والمالية ويمكن إحالة الراغبين في العودة إلى الحياة المدنية إلى برامج تأهيل وتوظيف تساعدهم على إيجاد مصادر دخل مستقرة.
وتحتاج الحكومة إلى حوار واضح مع قادة الفصائل وجدول زمني معلن وضمانات قانونية تمنع الانتقام السياسي أو الاستهداف الانتقائي كما تحتاج إلى دعم القوى السياسية والمرجعيات الدينية والمؤسسات الدستورية حتى لا يتحول الملف إلى مواجهة حزبية.
ويمنح نجاح خطة الدمج الحكومة فرصة لإنهاء ازدواجية القرار العسكري من دون دفع البلاد إلى صدام واسع كما يحفظ حقوق المقاتلين الذين شاركوا في مواجهة تنظيم داعش ويمنع استمرار تشكيلات مسلحة تعمل خارج أوامر الدولة.
ويظل 30 أيلول محطة مهمة في تحديد اتجاه هذا الملف فإما أن تبدأ عملية اندماج واقعية ومنظمة أو يبقى السلاح سبباً دائماً للتوتر الداخلي والضغط الخارجي وتعطيل مشروعات الاستقرار والتنمية.
