وتضع تل أبيب الحفاظ على حرية عملياتها الجوية في مقدمة حساباتها الأمنية فضلا عن منع خصومها من إعادة بناء قدراتهم والحيلولة دون ظهور قوة إقليمية جديدة قادرة على تقييد تحركاتها العسكرية.

وعبر تحركاتها على مختلف ساحات المنطقة، تطمح إسرائيل إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيتها ومصالحها الأمنية والاستراتيجية من خلال إضعاف خصومها وتقليص نفوذ إيران وحلفائها ومنع القوى الإقليمية المنافسة من التأثير في تفوقها العسكري.

وبالسياق، تؤكد تل أبيب أن عملياتها لن تتوقف ما دامت التهديدات قائمة سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني أو بقدرات حزب الله في لبنان.

وفي الوقت نفسه، بدأت التصريحات الإسرائيلية تتجه بصورة متزايدة نحو تركيا، محذرة من توسيع وجودها العسكري داخل سوريا والمساهمة في إعادة بناء الجيش السوري.

وتكشف التطورات عن خريطة صراع جديدة لا ترتبط بالمواجهة الإسرائيلية الإيرانية وحدها إذ تحولت سوريا إلى ساحة تنافس بين إسرائيل وتركيا فيما تراقب إيران تمدد أنقرة في منطقة كانت تمثل طوال سنوات أحد أهم مراكز نفوذها الإقليمي.

وبموازاة ذلك، تتعامل إسرائيل مع إيران بوصفها التهديد الاستراتيجي الأكبر لها وتقول إن عملياتها العسكرية تستهدف منع طهران من تطوير قدراتها النووية والصاروخية وإضعاف شبكة حلفائها المنتشرة في المنطقة.

وبحسب الجيش الإسرائيلي، بدأت العملية العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران في 28 شباط 2026، واستهدفت منشآت عسكرية ونووية ومواقع مرتبطة بالحرس الثوري، تحت مبرر إزالة ما وصفه بـ"التهديد الوجودي" الإيراني.

وعلى الرغم من التحركات الدبلوماسية التي تقودها سلطنة عُمان ودول أخرى للتوصل إلى تفاهمات بين طهران وواشنطن، تؤكد إسرائيل أنها ستتحرك بصورة منفردة إذا أعادت إيران بناء برنامجها النووي أو قدراتها الصاروخية.

وتنظر طهران إلى العمليات الإسرائيلية والأميركية باعتبارها محاولة لإضعاف الدولة الإيرانية وتغيير موازين القوى في المنطقة، فيما تصر على أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، وتتمسك بحقها في الرد على أي هجمات جديدة.

ويشير استمرار حالة التأهب، إلى جانب تنفيذ إيران إعدامات بحق متهمين بالتجسس لصالح إسرائيل، إلى أن المواجهة تجاوزت الضربات العسكرية المباشرة وانتقلت إلى حرب استخبارية وأمنية داخل إيران، بحسب تقرير لوكالة رويترز.

ساحة بيروت

تمثل الجبهة اللبنانية امتداداً مباشراً للمواجهة بين إسرائيل وإيران في ظل ارتباط حزب الله بطهران واعتماده على الدعم الإيراني في التسليح والتمويل والتدريب.

وتقول إسرائيل إن عملياتها في لبنان تهدف إلى تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ومنعه من شن هجمات على مستوطناتها الشمالية، مؤكدة أنها ستواصل استهداف الأنفاق ومخازن الأسلحة ومواقع إطلاق الصواريخ.

في المقابل، يتهم لبنان إسرائيل بمواصلة احتلال أراضٍ في الجنوب وتدمير المنازل والبنى التحتية، فيما دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى إنهاء الوجود الإسرائيلي ووقف عمليات هدم المنازل، محذراً من أن بعض الممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب.

وتتواصل الجهود السياسية للتوصل إلى ترتيبات جديدة تقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح حزب الله، إلا أن استمرار العمليات العسكرية والخلاف على آليات التنفيذ يعرقلان الوصول إلى تسوية مستقرة.

وتحاول تركيا بدورها الدخول إلى هذا الملف، إذ أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده للمشاركة في مبادرة أمنية جديدة في لبنان بعد انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة "اليونيفيل"، إلى جانب تقديم الدعم الاقتصادي والعسكري للدولة اللبنانية.

وقد يضيف الدخول التركي المحتمل إلى ترتيبات أمن لبنان ساحة جديدة للتنافس مع إسرائيل، خصوصاً أن تل أبيب تنظر بقلق إلى تنامي النفوذ التركي في سوريا وشرق المتوسط.

ساحة دمشق

تحتل سوريا موقعاً أساسياً في الحسابات الأمنية الإسرائيلية والتركية، إذ تسعى أنقرة إلى دعم حكومة الرئيس أحمد الشرع وإعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، فيما تريد إسرائيل الاحتفاظ بحرية عملياتها الجوية ومنع تشكل قوة عسكرية قادرة على تهديدها من الجبهة الشمالية.

وتتركز المخاوف الإسرائيلية على احتمال إنشاء قواعد عسكرية تركية داخل سوريا، ولا سيما قرب تدمر ومطار "T4"، إلى جانب نشر منظومات دفاع جوي قد تقيّد حركة الطائرات الإسرائيلية.

وكانت إسرائيل قد قصفت، في نيسان 2025، قواعد ومطارات سورية عاينتها فرق عسكرية تركية تمهيداً لاستخدامها ضمن اتفاق دفاعي محتمل بين أنقرة ودمشق، وفق وكالة رويترز.

وشملت الضربات مطاري "T4" وتدمر في محافظة حمص، إضافة إلى مطار حماة العسكري، في رسالة فسرت على أنها تحذير إسرائيلي من تحول تلك المواقع إلى قواعد تركية.

وتصاعدت حدة الخطاب الإسرائيلي أخيراً، بعدما حذر وزير الدفاع يسرائيل كاتس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من توسيع الدور العسكري التركي في سوريا، مؤكداً أن إسرائيل لن تسمح لأنقرة بتقوية سوريا على نحو يهدد أمنها.

كما تحدثت تقارير عن إبلاغ إسرائيل الجانب التركي بأن إقامة قواعد عسكرية قرب تدمر تمثل "خطاً أحمر"، وسط تصريحات إسرائيلية تلوح بإقامة قواعد مقابلة داخل سوريا إذا مضت أنقرة في خططها.

ورغم تصاعد التهديدات، يجري الطرفان محادثات فنية لوضع آلية تمنع الاحتكاك المباشر بين قواتهما داخل سوريا. وكانت تركيا قد أكدت أنها لا تبحث عن مواجهة عسكرية مع إسرائيل، لكنها ترفض في الوقت نفسه الغارات الإسرائيلية التي ترى أنها تضعف الحكومة السورية وتقوض قدرتها على تثبيت الأمن.

وترى إسرائيل أن تنامي الدور التركي في سوريا قد يفرض واقعاً جديداً على حدودها الشمالية، خصوصاً إذا تمكنت أنقرة من تدريب الجيش السوري وتسليحه ونشر أنظمة دفاع جوي متطورة.

كشفت تقارير إعلامية أن الملف السوري كان من بين القضايا التي ناقشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال اجتماعهما الأخير في واشنطن، إلى جانب ملفي إيران ولبنان.

وذكر تقرير نشره موقع "النشرة" أن نتنياهو عرض أمام ترامب تقديرات إسرائيلية بشأن اتساع النفوذ التركي في سوريا، في ظل ما تعتبره تل أبيب منافسة متصاعدة على التأثير في الساحة السورية عقب تراجع الدور الإيراني في المنطقة.

وبحسب التقرير، قدم نتنياهو للرئيس الأميركي خريطة لمناطق النفوذ داخل سوريا، مشيراً إلى أن المساحة التي تتمتع فيها تركيا بنفوذ تفوق بصورة كبيرة المناطق الخاضعة للتأثير الإسرائيلي، في محاولة لتوضيح حجم التحدي الذي تمثله أنقرة من وجهة النظر الإسرائيلية.

وأشار التقرير إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع التطورات السورية بوصفها قضية أمنية فقط، إذ تمتد المنافسة مع تركيا إلى ملفات النفوذ الإقليمي والطاقة والبنية التحتية.

وتسعى أنقرة، وفق المصادر التي استند إليها التقرير، إلى تعزيز دورها الإقليمي من خلال مشاريع اقتصادية وممرات برية تربط تركيا بالعراق وسوريا، في حين تعمل إسرائيل على دعم مشاريع بديلة مرتبطة بممرات الطاقة والتجارة عبر البحرين الأحمر والمتوسط.

وأوضح التقرير أن مسؤولين إسرائيليين يعتقدون أن واشنطن لا تراعي المصالح الإسرائيلية بالقدر الكافي في تعاملها مع تنامي النفوذ التركي داخل سوريا.

ولا يرتبط القلق الإسرائيلي بالجانب العسكري وحده، إذ تتهم تل أبيب تركيا بدعم حركات إسلامية معادية لها، وبمحاولة تحويل سوريا إلى منطقة نفوذ تركية واسعة.

في المقابل، تتهم أنقرة إسرائيل بتقويض استقرار سوريا واستغلال ضعف الدولة لتوسيع وجودها العسكري في الجنوب، مؤكدة أن الغارات الإسرائيلية على سوريا ولبنان وصلت إلى مستوى يهدد الأمن التركي نفسه.

ويبدو أن الطرفين لا يرغبان في مواجهة مباشرة، لأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً كبيراً، في حين تتمتع إسرائيل بدعم أميركي واسع وتفوق جوي واستخباري في المنطقة.

لكن غياب تفاهم واضح بشأن حدود النفوذ قد يجعل أي تحرك عسكري أو خطأ في الحسابات سبباً لاحتكاك أكبر، خصوصاً إذا نشرت تركيا قوات أو منظومات دفاع جوي في مواقع تعتبرها إسرائيل مؤثرة في حرية عملياتها.

ساحة طهران

لا يمكن وضع إيران وتركيا في خانة مواجهة مفتوحة، فالعلاقة بينهما تقوم على مزيج من التعاون والتنافس والحذر المتبادل.

وتعارض تركيا الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على إيران، وسبق للرئيس رجب طيب أردوغان أن وصفها بأنها انتهاك للقانون الدولي، داعياً إلى وقف الحرب والعودة إلى الدبلوماسية.

لكن موقف أنقرة من الحرب لا يلغي الخلاف مع طهران بشأن سوريا، إذ دعمت الدولتان أطرافاً متعارضة طوال سنوات الصراع السوري، قبل أن تتراجع قدرة إيران على التأثير بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود حكومة ترتبط بعلاقات وثيقة مع تركيا.

وتنظر طهران بقلق إلى توسع الدور التركي في سوريا، لأنه يأتي على حساب نفوذها السابق وخطوط إمداد حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان.

كما تختلف الدولتان بشأن شكل النظام السوري الجديد، ومستقبل الجماعات الكردية، ووجود القوات الأجنبية، وتوزيع النفوذ السياسي والاقتصادي في مرحلة إعادة الإعمار.

وشهدت العلاقات بينهما توتراً دبلوماسياً في عام 2025، بعدما انتقد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اعتماد إيران على الفصائل المسلحة في سوريا والعراق، وردت طهران باتهام أنقرة بتجاهل الدورين الأميركي والإسرائيلي في زعزعة استقرار المنطقة.

ورغم هذه الخلافات، تحافظ الدولتان على قنوات الاتصال والتعاون الاقتصادي، لأن إيران تحتاج إلى علاقاتها مع تركيا في مواجهة العزلة والعقوبات، فيما تخشى أنقرة أن يؤدي انهيار إيران أو اتساع الحرب إلى موجات نزوح واضطرابات أمنية واقتصادية على حدودها.

السيناريوهات

يتمثل السيناريو الأول في استمرار التنافس المضبوط بين إسرائيل وتركيا داخل سوريا، مع تفعيل قنوات منع الاحتكاك وتحديد مناطق النفوذ، بما يمنع الانتقال إلى مواجهة مباشرة.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تصاعد الحرب بالوكالة، عبر دعم كل طرف قوى محلية مختلفة واستخدام الغارات والضغوط السياسية لإضعاف نفوذ الطرف الآخر من دون الدخول في صدام عسكري معلن.

ويرتبط السيناريو الثالث بإقامة تركيا قواعد عسكرية أو نشر منظومات دفاع جوي داخل سوريا، وهو تطور قد يدفع إسرائيل إلى تنفيذ ضربات استباقية ويفتح الباب أمام أزمة مباشرة بين دولتين تمتلكان قدرات عسكرية كبيرة.

وعلى مستوى العلاقة بين إيران وتركيا، يرجح أن يستمر التنافس داخل سوريا من دون الوصول إلى القطيعة، إذ تجمع الطرفين مصالح اقتصادية وأمنية إلى جانب رفضهما المشترك للتوسع العسكري الإسرائيلي، رغم اختلاف أهدافهما الإقليمية.

وتوضح هذه الخريطة أن العمليات الإسرائيلية في إيران ولبنان والتحذيرات المتزايدة ضد الوجود التركي في سوريا ليست ملفات منفصلة وإنما أجزاء من صراع أوسع على النفوذ وشكل النظام الإقليمي الجديد.