هذه ليست قضية أرقام أو مواد قانونية فحسب، بل حكاية أم تؤكد أن قلبها بقي مع طفلها، حتى بعدما فرق بينهما حكم قضائي. وفي هذه المقابلة، تروي ز.ح تفاصيل رحلتها منذ بداية الخلافات الزوجية، مرورا بالطلاق والمحاكم، وصولًا إلى أكثر اللحظات وجعا في حياتها.

https://youtu.be/3qvUqb4cyuI

كنت أعيش لأسرتي... ولم أتوقع أن ينتهي كل شيء بهذه الطريقة

تحدثت ز.ح، وهي مواطنة عراقية ومهندسة تعمل في وزارة الصحة، عن تفاصيل تجربتها، قائلة إنها تبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاما، وهي أم لطفلين، ابن يبلغ من العمر ثماني سنوات، وابنة ستبلغ الخامسة من عمرها قريبا.

وأضافت أن الانفصال الرسمي بينها وبين زوجها السابق وقع قبل عام، إلا أن المشكلات الحقيقية بدأت قبل ذلك بنحو عامين، حين أخذت الخلافات الزوجية تتفاقم شيئا فشيئا حتى وصلت إلى مرحلة أصبح استمرار الحياة الزوجية فيها مستحيلا، لتنتهي العلاقة بالطلاق.

وأكدت أن جميع الوقائع التي مرت بها خلال تلك الفترة، وما رافقها من خلافات وإجراءات قانونية، أصبحت جزءا من قصتها التي ترغب اليوم في روايتها، لأنها ترى أن هناك نساء كثيرات يعشن الظروف ذاتها، لكن أصواتهن لا تصل إلى أحد.

حين بلغ ابني السن القانونية... بدأ الكابوس الحقيقي

وأضافت أن أكثر ما آلمها بعد الطلاق لم يكن الانفصال نفسه، وإنما القرارات المتعلقة بحضانة طفلها، مبينة أن ابنها انتقل إلى والده بعد تجاوزه السن المحددة قانونا، وهو ما أدخلها في سلسلة طويلة من المحاكم والدعاوى القضائية، بحثا عن أي وسيلة قانونية تمكنها من استعادة حضانته.

وقالت إنها عندما راجعت المحامين وسألتهم عن السبل القانونية لاسترداد ابنها، فوجئت بالإجابة التي تلقتها، إذ أبلغها أكثر من محام، بحسب روايتها، بأن القانون لا يمنح الأم فرصة الفوز بالحضانة إلا في حالات محددة للغاية، تتمثل في إثبات أن الأب يتعاطى المخدرات أو المسكرات بتقارير وتحاليل رسمية، أو ثبوت إصابته بمرض عقلي، أو صدور حكم بالسجن بحقه.

وأضافت أنها شعرت بصدمة كبيرة عندما علمت بذلك، لأنها رأت أن هذه الحالات لا تمثل جميع الظروف التي قد تجعل بقاء الطفل مع والدته هو الخيار الأفضل، مؤكدة أن النصوص الحالية، لا تنظر إلى حجم الرعاية التي تقدمها الأم ولا إلى مصلحة الطفل بالشكل الكافي.

ابني لم يكن مجرد طفل... كان رحلة عمر كاملة

وتوقفت ز.ح. عند أكثر المحطات إيلاما في حياتها، وهي رحلة ابنها مع اضطراب طيف التوحد، مؤكدة أن العلامات الأولى بدأت تظهر عليه وهو في الثانية من عمره.

وقالت إن تلك اللحظة غيرت حياتها بالكامل، لأن التعامل مع طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد يختلف تماما عن التعامل مع أي مرض آخر.

وأكدت أن استجابة الطفل تكون بطيئة، والنتائج لا تظهر سريعا، بينما يكون الجهد النفسي والجسدي والمالي المطلوب من الأسرة هائلا.

وأضافت: "حين يكون لديك طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد، فإن الأسرة كلها تعيش المرض معه، وليس الطفل وحده. والأم تحديدا تحمل العبء الأكبر، لأنها تريد أن ترى طفلها مثل بقية الأطفال، وتقاتل كل يوم حتى تحقق ذلك."

وأوضحت أنها كرست ما يقارب أربع سنوات من حياتها للعناية بابنه، مضيفة أنها التزمت بالخطة العلاجية كاملة، سواء من ناحية الجلسات العلاجية أو المكملات الغذائية أو المتابعة المستمرة، وكانت تتحمل جميع التكاليف المادية والجهد النفسي والجسدي، لأنها كانت تؤمن أن ابنها يستحق أن يحصل على فرصة حقيقية في الحياة.

وأكدت أن سنوات التعب لم تذهب هباءً، فبعد جهد كبير وتوفيق من الله، تمكن ابنها من الالتحاق بمدرسة نظامية مع أقرانه.

وقالت إن كل من يرى ابنها اليوم يدرك أنه طفل بذلت معه جهود استثنائية، وإن التحسن الذي وصل إليه لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تعب متواصل استمر سنوات.

انتزعوه مني... بعد أن تعبت عليه سنوات

وقالت ز.ح. إن أكثر ما يؤلمها اليوم هو أن كل السنوات التي كرستها لرعاية ابنها انتهت، بقرار نقل حضانته إلى والده، مضيفة أن الطفل عندما انتقل للعيش مع والده وجد حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي اعتاد عليها معها.

وأضافت: "ابني عندما ذهب إلى والده أصبح يقضي ساعات طويلة على جهاز الآيباد منذ الصباح، وكل ما كان يطلبه أصبح متوفرا له، من الأطعمة السريعة والوجبات التي كنت أمنعه منها حفاظًا على صحته، إلى استخدام الأجهزة الإلكترونية دون قيود."

وأوضحت أنها كانت تفرض على ابنها نظاما صارما، ليس بدافع التشدد، وإنما لأن حالته الصحية كانت تتطلب ذلك، فكان يومه مليئا بالالتزامات بين الدراسة والعلاج والأنشطة والراحة، بينما رأى مع والده حياة أكثر حرية، الأمر الذي جعله يفضل البقاء هناك.

وأضافت بأسى: "الطفل بطبيعته يميل إلى المكان الذي يمنحه الحرية، لكنه لا يدرك أن كل ما كنت أفعله كان من أجل مستقبله، ومن أجل أن يصبح قادرا على الاعتماد على نفسه والاندماج مع المجتمع."

وأكدت أن أكثر ما يؤلمها ليس انتقال ابنها إلى والده بحد ذاته، وإنما شعورها بأن كل ما بذلته من تعب وجهد خلال سنوات طويلة لم يؤخذ بعين الاعتبار.

كنت وحدي في أصعب المراحل

وأضافت أن والد الطفل خريج كلية القانون ويعمل ضابطًا في جهاز الأمن الوطني، مؤكدة، أنه استغل مكانته الوظيفية في ممارسة الضغوط عليها وتهديدها بطرق مختلفة.

وقالت إنها يتيمة الأب والأم، وعندما وقع الطلاق لم تكن تمتلك سندا عائليا قويا، الأمر الذي جعلها أكثر عرضة للضغوط النفسية والاجتماعية.

وأضافت أن زوجها السابق كان يستغل هذه النقطة باستمرار، ويكرر الحديث عنها حتى داخل المحكمة، رغم أنها كانت ترى أن ظروفها العائلية لا علاقة لها بأهليتها في تربية أطفالها.

خرجت من بيتي... وتركته بكل ما فيه

وقالت إن المنزل الذي خرجت منه لم يكن منزلا بناه زوجها وحده، بل كان ثمرة سنوات من مساهمتها أيضًا.

وأضافت أن كثيرا من الأثاث والمقتنيات كانت قد اشترتها من مالها الخاص، لكنها غادرت المنزل وتركته بكل ما فيه.

وأوضحت أنها تنازلت عن كثير من الأمور المادية لأنها كانت تريد إنهاء النزاع، لكنها ما زالت تشعر بالألم لأنها ترى أن سنوات مساهمتها لم تقدر.

وأضافت أن ما تمكنت من الحصول عليه قانونيا اقتصر على بعض الحقوق، ومنها المؤخر وجزء بسيط من الذهب الذي استطاعت إثباته، بينما ضاعت بقية الحقوق لعدم وجود مستندات تثبت مساهماتها.

لم يتوقف الأمر عند الطلاق

وأضافت أن المضايقات، لم تتوقف بعد الطلاق، بل استمرت من خلال الإساءات اللفظية والتشهير والتهديد.

وأكدت أن الأمر لم يقتصر على زوجها السابق، بل امتد إلى بعض أفراد عائلته أيضا.

وقالت إن أكثر ما يخيفها اليوم هو التهديد المستمر بأخذ ابنتها أيضا، موضحة أن ابنتها ستبلغ الخامسة من عمرها، وأنها تعيش في قلق دائم كلما وقع أي خلاف بينها وبين والد الطفلة.

وأضافت أن مجرد سماع هذا التهديد يعيد إليها كل الألم الذي عاشته عندما فقدت حضانة ابنها.

القانون لا يحمي الطيبين

وأضافت ز.ح. أنها بعد الطلاق دخلت في سلسلة طويلة من القضايا، وأنها حاولت إثبات حقوقها بكل الوسائل القانونية المتاحة، لكنها شعرت، بحسب روايتها، بأن ما كانت تملكه من حقائق لم يكن كافيا أمام غياب الأدلة الرسمية.

وقالت إن زوجها السابق قدم إفادات وشهادات، كما استعان بشهود، مؤكدة أنها كانت ترى أن كثيرا مما قيل لا يعكس الحقيقة، لكنها لم تتمكن من إثبات عكسه قانونيا.

وأضافت: "القانون لا يحمي الغافلين، أو كما نقول نحن: الطيبين بزيادة. كنت أتعامل بحسن نية، ولم أكن أتوقع أن يأتي يوم أحتاج فيه إلى وثائق وإثباتات لكل شيء قدمته."

وأكدت أنها لم تكن توثق الأموال التي أنفقتها أو مساهماتها في بناء المنزل أو شراء مستلزماته، لأنها كانت تعتبر أن كل ما تملكه هو لعائلتها، لكنها اكتشفت بعد الطلاق أن غياب تلك الأدلة أفقدها جزءا كبيرا من حقوقها.

لا أعمم... لكن هذه كانت تجربتي

وتحدثت ز.ح. أيضا عن تجربتها مع القضاء، مؤكدة أنها لا تقصد التعميم على جميع القضاة أو جميع المحاكم العراقية، لكنها أرادت نقل تجربتها الشخصية كما عاشتها.

وقالت: "أنا لا أستطيع أن أحكم على القضاء العراقي كله، لأنني لم أتعامل مع جميع القضاة، لكن القضاة الذين نظروا في قضيتي شعرت أنهم كانوا أقرب إلى الرجل من المرأة."

وأضافت أنها كانت تدخل المحكمة وهي تحمل ملفا كاملا من السنوات التي قضتها في رعاية طفلها، لكنها كانت تشعر أن كل ذلك يختصر أمام كلمات قليلة أو يمين يؤديه الطرف الآخر.

وأكدت أنها كانت تخرج من جلسات المحكمة وهي تشعر بأن حجم التعب الذي عاشته طوال سنوات لم يجد من ينظر إليه أو يقدره.

رسالة أخيرة

واختتمت ز.ح. حديثها برسالة مؤثرة قالت فيها: "أنا لا أتحدث اليوم لأنني أبحث عن تعاطف، وإنما لأنني أتمنى ألا تعيش أم أخرى ما عشته. أتمنى أن تراجع القوانين بما يضمن مصلحة الطفل أولا، وأن ينظر إلى سنوات الرعاية والتعب بعين الإنصاف، لأن الطفل ليس رقما في ملف، ولا مادة قانونية، بل روح تتعلق بقلب أمه."

وأكدت أنها، رغم الألم الذي رافقها طوال هذه التجربة، ما زالت تؤمن بأن الأمل لا ينتهي، وأنها ستواصل كل الطرق القانونية والإنسانية لتبقى قريبة من ابنها، لأن الأم، مهما ابتعد عنها أطفالها، يبقى قلبها معلّقًا بهم، ولا تستطيع أي محكمة أن تنتزع ذلك الحب من صدرها.

أثار القرار رقم (93) لسنة 2026 الصادر عن الهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية نقاشا واسعا في العراق بشأن تطبيق أحكام الحضانة في القضايا الخاضعة للمدونة الجعفرية، إذ تناول كيفية تطبيق النصوص الخاصة بالحضانة والتخيير في بعض دعاوى الأحوال الشخصية.

وجاء القرار في ظل التعديلات التي أُدخلت على قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959، والتي سمحت بالاحتكام إلى مدونات الأحكام الشرعية الخاصة بالمذاهب في بعض القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية، وهو ما أثار جدلا قانونيا وحقوقيا بين مؤيدين يرون أنه ينسجم مع حرية المعتقد، ومعارضين يعتبرون أن بعض تطبيقاته قد تؤثر في حقوق النساء والأطفال وتستدعي مراجعة تشريعية.

وفي الأشهر الماضية، شهدت بغداد وعدد من المحافظات وقفات احتجاجية نظمتها ناشطات ومنظمات مجتمع مدني للمطالبة بإعادة النظر في آثار القرار (93) وبعض أحكام الحضانة، مؤكدات ضرورة أن تبقى المصلحة الفضلى للطفل هي الأساس في جميع القرارات القضائية المتعلقة بالأحوال الشخصية، وهو مبدأ تؤكد عليه أيضا اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها العراق.