وفي ظل سباق المشاهدات والإعجابات والمشاركات، بات بعض الصحفيين ينظرون إلى تصدر الترند بوصفه معيارًا للنجاح والتأثير، ما يثير تساؤلات بشأن حدود تأثير الجمهور والخوارزميات في العمل الصحفي، وعما إذا كان الصحفي لا يزال قادرًا على صناعة الأجندة أم أصبح تابعًا لها.
وفي هذا السياق، قالت الصحفية الدكتورة حنان البحراني، لـ"روج نيوز"، إن "التحولات التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي على الصحافة أصبحت واضحة، إذ بات بعض الصحفيين يتبنون اهتمامات الجمهور ويركزون على الموضوعات التي تحقق الانتشار والتفاعل".

وأضافت أن "هوس الإعجابات والمشاركات وتصدر الترند أصبح لدى البعض معيارًا لتقييم نجاح الصحفي ومهنيته، مع أن هذه المؤشرات لا ينبغي أن تكون المقياس الأساسي للعمل الصحفي".
وبشأن الفرق بين الصحفي وصانع المحتوى، أوضحت البحراني أن "الصحفي الحقيقي لا يُقاس بقدرته على ملاحقة الترند، وإنما بقدرته على فهم ما وراء الظاهرة، والبحث في أسبابها وكيفية نشأتها، ثم وضعها في سياقها الصحيح من خلال الاستقصاء والتحليل والبحث".
وتابعت أن "الصحفي الذي يكتفي بإعادة نشر ما يتداوله الجمهور يختلف عن الصحفي الذي يعمل على تفكيك القضية والكشف عن خلفياتها وتقديم معلومات جديدة تضيف قيمة حقيقية إلى المحتوى المتداول".
وبحسب البحراني، فإن ثراء منصات التواصل الاجتماعي بالمشكلات والقضايا والموضوعات المختلفة خلق تحديًا جديدًا أمام الصحفي، مبينة أن "التحدي اليوم يكمن في كيفية اختيار الموضوع وصياغته وتقديمه للجمهور بطريقة لا تكتفي بجذب الانتباه، وإنما تسهم في بناء وعي مختلف وتعزز قدرة المتلقي على التفكير النقدي في الأسباب والنتائج".
وأكدت أن الصحفي ما يزال قادرًا على الإمساك بزمام صناعة الخبر وتكوين عالمه الإخباري بطريقة أكثر قربًا من الجمهور، من دون التخلي عن القوالب الصحفية والمعايير المهنية.
وقالت البحراني إن "المشهد الإعلامي ما يزال يضم صحفيين مبدعين يحيطون بالأحداث والقضايا ويقدمونها في قوالب صحفية تمتلك حسًا استقصائيًا وإبداعيًا، في مقابل صحفيين يكتفون بنقل الخبر كما هو".
وأضافت أن "الفرق الحقيقي يكمن بين صحافة تبحث عن الحقيقة وتضيف قيمة إلى المعلومة، وأخرى تكتفي بإعادة إنتاج ما هو متداول على منصات التواصل الاجتماعي".
وعن تغير اهتمامات الجمهور وتفضيلاته، أشارت البحراني إلى تنامي ظاهرة تقديم التعليقات على الأحداث عبر مقاطع الفيديو، التي تتضمن أحيانًا عرضًا مختصرًا ومسبقًا للحدث.
ورأت أن "هذا النمط قد يسهم تدريجيًا في تكريس ثقافة التلقي السريع وتعويد الجمهور على المحتوى المختصر، على حساب القراءة المعمقة والاستماع إلى التقارير والنشرات وقراءة الصحف، وهي وسائل كانت تسهم في إثراء العقل وتنمية المعرفة".
وفيما يتعلق بدور الخوارزميات، أوضحت البحراني أنها "ليست سحرًا، فالجمهور نفسه يشارك في صناعة المحتوى وانتشاره من خلال الاختيار والتفاعل والمشاركة"، مشيرة إلى أن المحتوى الذي يحظى باهتمام الجمهور ويتفاعل معه يمكن أن ينتشر ويتحول إلى مادة رائجة، في ظل امتلاك الجميع حسابات وأجهزة تتيح لهم المتابعة والمشاهدة والمشاركة.
لكنها شددت على أن "الصحافة تمتلك طبيعتها الخاصة، بما تتطلبه من مصادر وجهد ومتابعة وبحث، فضلًا عن الصعوبات والتحديات التي يواجهها الصحفي في سبيل الوصول إلى الحقيقة".
وأكدت أن "مكانة الصحافة لم تُبنَ على قدرتها على ملاحقة كل ما هو رائج، وإنما على التحقق مما يُتداول، والكشف عما وراء الأحداث، وتقديم محتوى يدفع الجمهور إلى التفكير والسؤال والفهم".
وأضافت أن "الصحافة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإعادة تدوير ما تفرضه الخوارزميات والترندات، لأن دورها يتجاوز النقل السريع إلى تفسير الواقع والمساهمة في صناعة المعرفة".
وترى البحراني أن أحدًا لا يستطيع انتزاع دور الإعلام والصحافة بوصفهما من الوسائل الأساسية للتنشئة المعرفية وبناء الوعي، مؤكدة أن "مسؤولية الصحفي اليوم تتمثل في معرفة كيفية توجيه الجمهور، وليس كيفية الانقياد له".
وختمت حديثها بالقول إن "اتجاه الصحافة الحديثة نحو التخصص العميق وصحافة الحلول وصحافة البيانات وغيرها من الأشكال المتخصصة، يفتح أمام الصحفي مجالات جديدة تتجاوز منطق الترند والانتشار السريع، وتعيد إليه دوره في صناعة الخبر وبناء الوعي".
