وتأتي هذه الهجمات في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين الولايات المتحدة وإيران وسط مؤشرات سياسية وأمنية تربط استهداف إقليم كردستان بتداعيات المواجهة بين الطرفين مع وجود قواعد ومنشآت تابعة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة داخل الإقليم.
بداية الهجمات
بدأت موجة التصعيد مساء الجمعة 17 تموز عندما تعرضت مدينة السليمانية، قرابة الساعة الثامنة والنصف مساءً، لهجوم بطائرات مسيرة وصواريخ استهدف منطقة طاسلوجة، ما أدى إلى اندلاع حريق كبير امتدت آثاره إلى مناطق واسعة.
وفي الوقت ذاته، اشتعل حريق آخر في بساتين منطقة جاسنة التابعة لقضاء دوكان، ما دفع الأهالي إلى مناشدة فرق الدفاع المدني للتدخل والسيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى الأراضي الزراعية والمنازل المجاورة، فيما لم تعلن السلطات تسجيل خسائر بشرية.
وفي أعقاب الهجوم، أدان محافظ السليمانية هفال أبو بكر استهداف المدينة وإقليم كردستان، مؤكداً أن الإقليم لا يمثل طرفاً في أي نزاع إقليمي، وداعياً المواطنين إلى الابتعاد عن مواقع سقوط الصواريخ والطائرات المسيرة لإتاحة المجال أمام الفرق الأمنية والدفاع المدني لأداء مهامها.
سقوط مسيرات في بازيان وجمجمال
ومع استمرار التصعيد، سقطت قرابة الساعة العاشرة مساءً طائرة مسيرة داخل ملعب رياضي في ناحية بازيان بمحافظة السليمانية، إلا أن خلوه من الأشخاص حال دون وقوع إصابات.
كما سقطت طائرة مسيرة أخرى في ناحية آغجلر التابعة لقضاء جمجمال دون أن تنفجر، قبل أن تتمكن القوات الأمنية من تفجيرها بطريقة مسيطر عليها حفاظاً على سلامة السكان.
وفي ظل المخاوف الأمنية، عُلّق إنتاج الغاز الطبيعي مؤقتاً في حقل كورمور كإجراء احترازي، الأمر الذي انعكس على إمدادات الطاقة في الإقليم.
هجمات متزامنة على هولير وبيرمام وأكري
ولم تقتصر الهجمات على السليمانية، إذ امتدت إلى محافظة هولير، حيث تعرضت المدينة وناحيتا بيرمام وأكري لسقوط عدد من الطائرات المسيرة، بينما تمكنت منظومات الدفاع الجوي من اعتراض وإسقاط بعضها قبل وصولها إلى أهدافها.
وتسببت الانفجارات بحالة من الذعر بين السكان، كما اندلعت حرائق في منطقة بيرمام إثر سقوط إحدى الطائرات المسيرة.
وبعد منتصف الليل، تعرض جبل باني هرير لأربع ضربات متتالية، وهو يضم قاعدة تابعة للتحالف الدولي، كما استهدفت طائرات مسيرة قرية بلي في وادي آلان التابعة لناحية خليفان، ما تسبب باندلاع حريق كبير استمرت فرق الإطفاء لساعات في محاولة احتوائه.
كما تعرضت مناطق أخرى قرب طاسلوجة لهجمات جديدة أدت إلى تجدد الحرائق، وسط مواصلة فرق الدفاع المدني عمليات الإخماد.
موقف الحرس الثوري الإيراني
وتزامنت هذه الهجمات مع تصاعد التهديدات الإيرانية على خلفية المواجهة مع الولايات المتحدة، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني أن أي موقع يضم قواعد أو مصالح عسكرية أميركية سيكون هدفاً مشروعاً، مؤكداً أن القوات الأميركية وحلفاءها لن يكونوا بمنأى عن الرد الإيراني.
ويرى مراقبون أن استهداف مناطق في إقليم كردستان يأتي في سياق تلك التهديدات، نظراً لوجود مواقع مرتبطة بالتحالف الدولي والقوات الأميركية داخل الإقليم، في حين تؤكد حكومة إقليم كردستان باستمرار أنها لا ترغب في أن تكون أراضيها ساحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.
المواقف السياسية
وأدانت ستة أحزاب كردستانية الهجمات التي تعرض لها الإقليم، مؤكدة أنها تمثل تهديداً مباشراً لأمنه واستقراره، وأنها أثارت حالة من الهلع بين المواطنين نتيجة سقوط الصواريخ والطائرات المسيرة واندلاع الحرائق.
وشددت الأحزاب على أن إقليم كردستان ليس طرفاً في الصراعات الجارية في المنطقة، مطالبة بوقف الهجمات واحترام سيادة العراق.
موقف حكومة إقليم كردستان
وأكدت حكومة إقليم كردستان، في بيان، أن الهجمات تمثل انتهاكاً واضحاً لسيادة العراق وتهديداً لأمن الإقليم، داعية الحكومة الاتحادية في بغداد والمجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية لمنع تكرار هذه الاعتداءات.
كما شددت على ضرورة حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وعدم تحويل أراضي الإقليم إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران.
الأضرار والخسائر الأولية
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تعلن الجهات الرسمية حصيلة نهائية للخسائر البشرية، فيما تشير المعلومات الأولية إلى عدم تسجيل إصابات مؤكدة في المناطق المدنية.
بالمقابل، أسفرت الهجمات عن اندلاع حرائق واسعة في طاسلوجة وبيرمام ووادي آلان وجاسنة، إضافة إلى أضرار بيئية وزراعية، كما أدى التصعيد الأمني إلى تعليق إنتاج الغاز الطبيعي في حقل كورمور بصورة مؤقتة.
ويكشف هذا التصعيد اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما امتدت تداعياتها إلى إقليم كردستان، الذي يضم مواقع مرتبطة بالتحالف الدولي. وبينما تؤكد حكومة الإقليم أنها ليست طرفاً في هذا الصراع، تتزايد المخاوف من استمرار الهجمات وتحول كردستان إلى ساحة مواجهة مفتوحة، وسط دعوات محلية ودولية لاحترام سيادة العراق ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد.
