وبينما تضع الحكومة هذه القرارات في إطار تعزيز الأمن ومأسسة عمل الأجهزة، يرى خبراء أنها تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية وترتبط بمحاولة توحيد القرار الأمني وفك تشابك بعض القيادات مع القوى المسلحة.
وفي أحدث حلقات التغيير، صدر في ساعة متأخرة من ليلة أمس قرار بإعفاء قائد عمليات بغداد، اللواء الركن وليد خليفة، وتكليف اللواء هادي الكناني، أحد قادة جهاز مكافحة الإرهاب، بديلاً عنه.
وشملت القرارات أيضاً نقل اللواء الركن ضرغام العلواني من منصب نائب قائد عمليات ديالى إلى قيادة فرقة المشاة الأولى، فيما نُقل قائد الفرقة اللواء الركن إياد عيادة إلى منصب نائب قائد عمليات ديالى.
وفي كركوك، صدر قرار بإلغاء قيادة عمليات شرق دجلة، التي كانت تتولى مسؤوليات أمنية في مناطق واسعة تمتد من قضاء داقوق جنوبي المحافظة إلى قضاء خورماتو في صلاح الدين.
وجاءت هذه التغييرات بقرارات مباشرة من القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء علي الزيدي، ضمن ما تصفه الحكومة بخطوات إعادة تنظيم المؤسسة الأمنية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.
لكن تزامن القرارات واتساع نطاقها يثيران تساؤلات تتجاوز الجانب الإداري، هل يعيد الزيدي توزيع المسؤوليات فقط، أم يسعى إلى إعادة بناء منظومة القرار الأمني على أسس جديدة؟
وبالسياق، يقول الخبير الأمني قاسم العسكري لـ "روج نيوز" إن "التغييرات التي تشهدها ديالى وصلاح الدين وكركوك، سواء على مستوى القيادات أو الانتشار، تأتي ضمن رؤية تتبناها حكومة الزيدي لإعادة هيكلة المشهد الأمني".

ويوضح العسكري أن "هذه الرؤية تستند إلى معايير جديدة، أبرزها تعزيز استقلال القرار الأمني العراقي وترسيخ سيادة البلاد، وفق ما ورد في التوجيهات الرسمية المصاحبة للتغييرات".
ويضيف أن الخطوات "ليست إدارية بحتة، بل تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية، وتعكس توجهاً حكومياً نحو بسط سلطة الدولة ومأسسة العمل الأمني".
وفيما يتعلق بإعادة انتشار قوات الحشد الشعبي أو انسحابها من بعض المناطق، يرى العسكري أن التحركات تجري بالتنسيق مع هيئة الحشد، وليست قرارات فردية تتخذها الفصائل.
ويتابع أن "المغزى من هذا التوجه هو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى الأمنية، بغض النظر عن مسمياتها، لضمان خضوع جميع التشكيلات إلى القرار الحكومي الموحد".
وبحسب العسكري، فإن "أولوية الحكومة في المرحلة الحالية تتركز على إعادة التنظيم والضبط، قبل الانتقال إلى المساءلة أو اتخاذ إجراءات قانونية محتملة، تجنباً لانزلاق البلاد إلى تعقيدات أمنية جديدة".
ولم تكن القرارات الأخيرة منفصلة عن تغييرات سبقتها، ففي أواخر الشهر الماضي، أصدر الزيدي قراراً بإلغاء قيادة العمليات المشتركة وإعادة تنظيم مهامها ضمن "مكتب القائد العام للقوات المسلحة".
وجاء القرار بعد أيام من تكليف وزير الداخلية السابق، الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، بإدارة مكتب القائد العام، وتولي مهام التنسيق والتوجيه بين الأجهزة والتشكيلات الأمنية.
أما المناطق التي كانت خاضعة لقيادة عمليات شرق دجلة، فمن المقرر أن تبقى تحت التغطية الأمنية والعسكرية، وفق هيكل تنظيمي جديد تعتمده القيادة العامة للقوات المسلحة.
وتشير هذه الإجراءات مجتمعة إلى أن الحكومة لا تستهدف تغيير بعض الأسماء فحسب، بل تعمل على إعادة ترتيب مراكز القيادة والصلاحيات ومسارات إصدار القرار.
من جهته، يقول المحلل السياسي عصام الفيلي لـ "روج نيوز" إن تغيير القيادات الأمنية والعسكرية والإدارية يمثل جزءاً من استراتيجية الحكومة لضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة وفك التشابك بين العمل المهني والعلاقات السياسية.

ويضيف الفيلي أن "الحكومة تتحرك استناداً إلى معلومات، وليس من فراغ، خصوصاً أن بعض المناطق ما زالت قريبة من بؤر نشاط تنظيم داعش، فيما ترتبط بعض القيادات بعلاقات خاصة مع جهات مسلحة".
ويرى أن الحكومة تحاول تفكيك هذا التشابك لضمان عمل القيادات الأمنية ضمن التسلسل الرسمي، بعيداً عن تأثير القوى السياسية والمسلحة.
ويلفت إلى أن العراق لا يزال يواجه تحديات أمنية وإرهابية، من بينها استمرار نشاط تنظيم داعش، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الأخيرة تؤكد بقاء الخطر وعدم انتهاء الحاجة إلى إعادة تقييم الخطط والقيادات.
ويشير الفيلي إلى تأسيس قيادة قوات البادية بوصفه دليلاً على حاجة المؤسسة العسكرية إلى الاستفادة من خبرات القيادات السابقة ونقلها إلى التشكيلات الجديدة.
ولا تنفصل التغييرات عن ملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، الذي بات واحداً من أبرز اختبارات حكومة الزيدي.
ووفق الفيلي، فإن إخراج الفصائل من بعض المناطق يمثل مطلباً تتبناه قوى سياسية، ولا سيما الأطراف السنية، ما يرجح أن تمتد تغييرات الانتشار إلى مواقع توجد فيها تشكيلات مسلحة خارج القوات النظامية.
ومؤخراً، أعلن رئيس خلية الإعلام الأمني، الفريق سعد معن، بدء الخطوات العملية لدمج الفصائل المسلحة في المنظومة الأمنية الرسمية، من خلال تسليم مقار وسلاح "سرايا السلام" في مدينة سامراء، استجابة لمبادرة زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر.
وحصل الزيدي على غطاء سياسي للتحرك في هذا الملف، بعدما فوضه الإطار التنسيقي باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد، وأعلن تأييده حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية.
كما حظي رئيس الوزراء بتفويض مماثل من ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم القوى السياسية الرئيسية بمختلف مكوناتها.
وترسم القرارات الأخيرة ملامح مشروع أوسع لإعادة تنظيم المؤسسة الأمنية، وتوحيد مراكز القيادة، وإخضاع مختلف التشكيلات لسلطة الدولة. لكن نجاح المشروع لن يُقاس بعدد القادة الذين جرى استبدالهم أو القيادات التي أُلغيت، بل بقدرة الحكومة على تحويل التغييرات الإدارية إلى واقع أمني مستقر.
