وعلى الرغم من أن هذه المحاولة جاءت لحسم الملف، في ظل ضيق الوقت واقتراب موعد التسليم النهائي المحدد في 30 أيلول المقبل، فإنها "لم تسر وفق ما خُطط لها".

وبحسب معلومات، أبدت واشنطن رفضها لهذا الحل، واعترضت على تسليم سلاح الفصائل إلى هيئة الحشد الشعبي، ما وضع بغداد في "حيرة من أمرها".

وأكدت مصادر لـ"روج نيوز" أن "هذا المقترح قوبل برفض واشنطن، التي تمسكت بموقفها الداعي إلى تفكيك الفصائل وحلها بالكامل، مع تحفظها أيضاً على تولي هيئة الحشد الشعبي مهمة تسلم أسلحتها".

إلى ذلك، يقول المحلل السياسي أثير الشرع، في تصريح لـ"روج نيوز"، إن "مقترح تسليم الفصائل سلاحها إلى الحشد الشعبي، مع بقائها ضمن منظومته، قد يكون مقبولاً بوصفه حلاً عراقياً داخلياً، لكن لا أحد يستطيع الإجابة عن السؤال الذي تطرحه واشنطن: من يملك قرار استخدام السلاح، ومن يصدر الأوامر؟".

ويضيف أن "المعلومات المتوافرة حالياً تشير إلى أن واشنطن تضغط باتجاه وضع جدول زمني واضح لحصر السلاح وتفكيك الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة، فيما أعلنت بعض الفصائل فك ارتباطها بالحشد، وبقيت أخرى رافضة".

ويتابع: "واشنطن لا تنظر إلى المسألة من زاوية وجود السلاح داخل الحشد أو خارجه، بل تسأل عما إذا كانت هناك قوى مسلحة تستطيع اتخاذ قرار الحرب أو إطلاق الطائرات المسيّرة بصورة مستقلة عن الدولة. وهذه هي النقطة التي تركز عليها، لأن نقل السلاح من الفصيل إلى الحشد، مع بقاء القيادة والتنظيم والقدرة على اتخاذ القرار كما هي، لا يحل المشكلة".

ويبين أن "هذا الإجراء يعد، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، مجرد تغيير في العنوان، وهو ما يفسر رفض واشنطن صيغة تسليم سلاح الفصائل إلى الحشد. فالولايات المتحدة لا تشترط نزع السلاح فقط، بل تطالب أيضاً بإجراء تغييرات في بنية القيادة والإشراف على منظومة الحشد".

ويرى الشرع أن "المخرج لا يتمثل في حل الحشد أو تسليم السلاح دفعة واحدة، وإنما في إعادة تعريف العلاقة بين الفصائل والحشد والدولة من خلال عملية تتكون من ثلاث مراحل".

ويضيف: "تبدأ المرحلة الأولى بالفصل بين الحشد والفصائل، وهي الخطوة الأهم، وأن تعلن الحكومة بوضوح أن الحشد مؤسسة تابعة للدولة، ومن يريد البقاء فيه عليه أن يتحول إلى منتسب عسكري، لا أن ينقل أسلحته فقط من مستودع الفصيل إلى مستودع الحشد".

ويستطرد: "تتمثل المرحلة الثانية في الدمج بدلاً من التسليم، وهنا يستطيع رئيس الحكومة علي الزيدي تقديم صيغة أكثر قبولاً، بدلاً من مطالبة الفصائل بتسليم أسلحتها فقط. أما المرحلة الثالثة فتتعلق بالسلاح الثقيل، الذي يجب أن يكون تحت سيطرة الدولة حصراً، وهي النقطة الأكثر حساسية، لأن المشكلة ستبقى قائمة حتى إن ظل الحشد مؤسسة رسمية ما دام يمتلك ترسانة مستقلة".

وكان "ائتلاف إدارة الدولة" قد أكد، خلال اجتماعه الأخير الأربعاء الماضي، ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

ويُذكر أن الحكومة العراقية وضعت ملف حصر السلاح ضمن أولوياتها، وحددت نهاية أيلول 2026 موعداً لاستكمال خطوات إنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية.

وترى قوى سياسية أن نجاح هذا الملف يمثل بوابة لإعادة بناء مفهوم الدولة، فيما تخشى أطراف أخرى من تحوله إلى مواجهة داخلية إذا لم يُدر عبر توافق سياسي واسع.

وتأتي هذه التطورات قبل الموعد المحدد لاستكمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، في نهاية أيلول 2026، وهو ملف تسعى بغداد إلى إنجازه لتأكيد استقلال قرارها الأمني.

من جانبه، يقول المحلل السياسي ماهر جودة، في تصريح لـ"روج نيوز"، إن "المناكفات مستمرة بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة، على الرغم من انضمام معظم الفصائل إلى العملية السياسية ودخول ممثلين عنها إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية".

ماهر عبد جودة
ماهر عبد جودة

ويتابع أن "ائتلاف إدارة الدولة أكد في بيانه الأخير أنه لا سلاح فوق سلاح الدولة، ولا سلاح يعلو فوق القانون، لكن تسليم هذا السلاح إلى هيئة الحشد الشعبي لا يقنع الولايات المتحدة".

ويشير إلى أن "وجود السلاح خارج سلطة الدولة انحسر في العراق، باستثناء ثلاث فصائل محدودة النشاط، والخيار متروك لها بشأن الانخراط في العملية السياسية والمضي نحو رسم خريطة طريق مستقبلية".

ويضيف: "من غير الممكن أن يكون قرار السلم والحرب بيد أفراد أو جهات خاصة، بل يجب أن يبقى قراراً حكومياً بيد مؤسسات صنع القرار".

ويؤكد أن "استمرار الخلافات الحالية وغياب القرار الموحد لا يصبان في مصلحة العراق أو المنطقة بصورة عامة، ولا بد من التوجه نحو تعزيز المؤسسات الحكومية المعنية بإدارة الدولة، وإحياء القطاعات الحيوية التي تسهم في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي".